فالآية تتكلم عن قسم من المؤمنين الذين يتحاكمون إلى رسول الله صل الله عليه وآله وإذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وقرر شيئا أطاعوه وحين الإطاعة لم يجدوا في أنفسهم حرجا ولا حسيكة تردد او أذى في أنفسهم مما قرره رسول الله صل الله عليه وآله، مثل رُشيد الهجري والمقداد بن الاسود الكندي رضوان الله عليهم، فالمقداد في موقف الذي تحدث مع النبي صل الله عليه وآله قال: يا رسول الله سر بنا فو الله لو سرت بنا برك الغماد لسرنا معك ولو خضت بنا البحر لخضناه معك. فمثل هؤلاء يسارعون لفعل أي شي يفعله رسول الله صل الله عليه وآله.
هل الصلاة على النبي واجبة شرعا
الآية الكريمة المباركة -بناء على التفسير المذكور آنفاً -تريد أن تقول أن على الإنسان المؤمن مسؤوليتين تجاه رسول الله صل الله عليه وآله:
الصلاة على محمد وال محمد وبعد ذلك التسليم والانقياد والطاعة لأمر نبي الله صلى الله عليه واله كل هذا في حدود البحث الفقهي والفرعي. فهل الصلاة على النبي صل الله عليه وآله واجبة أم هي مستحبة؟ وهل تجب دائماً أم أنها فقط في الصلاة ؟
فعند أتباع مدرسة الخلفاء هذا النقاش موجود كالشافعي وأحمد بن حنبل.
أما عند الإمامية فإن الصلاة واجبة على رسول الله صلى الله عليه وآله الأطهار في تشهد الصلاة وإذا إنسان رفض الصلاة على النبي صل الله عليه وآله أو على آله متعمدا فإن صلاته تكون باطلة وإلى هذا المعنى أشار الإمام الشافعي بشعره:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له
فهذا قد يكون البحث ضمن الإطار الفقهي والفرعي، فنحن نعتقد أن الآية الكريمة المباركة بضميمة تفسير رسول الله صل الله عليه وآله لها، ينقل الآية من البحث الفرعي الفقهي إلى البحث الأصلي العقدي، ليرتقي البحث فيها من أنها توجب الصلاة في التشهد للصلاة أو توجب الصلاة في العمر مرة كما ذكره بعضهم.
سيتبين بعد قليل أنه عندما نزلت الآية الكريمة المباركة، فيروي "أبو حمزة الثمالي" عن "كعب" - وهو أحد أصحاب النّبي (ص) أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية قلنا: قد عرفنا السلام عليك، فكيف نصلّي عليك؟ فقال: "قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد...)[١١]
أما في مصادر أهل مدرسة الخلفاء فيضاف كما صليت على إبراهيم وال إبراهيم إنك حميد مجيد، وهذا الحديث من الأحاديث التي تكاد تبلغ مرتبة التواتر، فقد ذُكر في معظم المصادر الأصلية للحديث كصحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد والمستدرك على الصحيحين وللحاكم وسنن الترمذي بأسانيد متعددة عن صحابة متعددين وكذلك المصادر المتأخرة كالصواعق المحرقة وكتب التفاسير وغيرها فحدث ولا حرج فهذه الصلوات معروفة بالصلوات الإبراهيمية.
أما مدرسة اهل البيت سلام الله عليهم فيصعب على الإنسان عَدّ الكتب التي ورد فيها تفسير الصلاة الواردة في القرآن الكريم على النبي بهذه الصلوات، فالقرآن الكريم لما يأتي بمبدأ عام فيفسره النبي، فلا يُقبل منه إلا ما يفسره النبي صلى الله عليه وآله.
مثال ذلك، القران الكريم قال (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )[١٢] فلو لم يأت تفسير الصلوات من الرسول الله صل الله عليه وآله بهذه الكيفية كأن تقف وتكبر تكبيرة الإحرام وأن تقرأ الفاتحة والسورة وتركع وتسجد، لولا أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .. لكان بإمكان أي إنسان أن يأتي بالصلاة بأي كيفية كانت فتكون مقبولة، لأن الله تعالى قال ( أقيموا الصلاة ) فأي صلاة بأي كيفية تكون مقبولة، ولكن بعد ما جاء تفسير الكيفية من رسول الله وقال الصلاة المطلوبة كما أصلي أنا، فأي إنسان في ذلك الوقت صلى خلاف صلاة رسول الله صل الله عليه وآله لن يقبل منه .