هذه من السيرة والروايات التي تشير إلى أن قضية لبس السواد -سواء من رسول الله، من أمير المؤمنين، من الحسن، من الحسين، من نساء الحسين بمرأى من زين العابدين في قضية الحزن على الحسين عليه السلام، من الإمام الصادق عليه السلام-... فما الذي غير المعادلة؟
الروايات الناهية عن لبس السواد وجهة صدورها
وعندنا روايات مثلاً أن: «السواد لباس أهل النار»، فكيف صار هذا لباس أهل النار ويُكره لبس السواد؟ وعندنا أحاديث بدءاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانت نازل، أشير إلى بعضها:
- الرواية الأولى: ما ورد أن جبرائيل نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه قباء أسود ومنطقة (هذه التي يشدونها الآن أحياناً في المصارعة أو في بعض لباس بعض المدن ويضعون فيها خنجراً أو ما شابه ذلك)، نزل جبرائيل على رسول الله وعليه قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال: «يا جبرائيل ما هذا؟» (ما هذا الزي الذي جئت به؟ لباس جبرائيل هكذا؟)، فقال: «زي ولد عمك العباس». فخرج النبي إلى العباس وقال: «يَا عَمِّ، وَيْلٌ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِكَ!»؛ سيأتي بنو العباس وهذا الزي الرسمي الخاص بهم، وسينتقمون من أولادي! حتى قيل إن العباس قال له: «يا رسول الله، أفلا أجب نفسي؟» (يعني أقطع نسلي حتى أفقد القدرة على الإنجاب)، وكان العباس مكثراً من الأولاد قبل أن يسلم (كان ملأ الدنيا من الولد)، فقال: «لا، جَرَى القَلَمُ». فهنا نرى مثلاً أن النبي (صلى الله عليه وآله) استنكر هذا الأمر، وأنه سوف يكون يوماً أسود لولد رسول الله من ولد العباس بن عبد المطلب.
- الرواية الثانية: سُئل أيضاً في رواية أخرى عن لبس السواد فقال: «ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ»، وكان زينة فرعون يوم أغرقه الله تعالى السواد (هم لباس أهل النار في النار لبسهم أسود، وكان لون ثوب فرعون يوم أغرقه الله هو الثوب الأسود). وهذا يُستفاد منه كراهة غير قليلة إذا كان لباس أهل النار وكان هذا لباس فرعون وما شابه ذلك.
طيب، ما الذي حدث حتى قال النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا؟
في روايات أخرى عندنا تذم لبس السواد؛ مثلاً ما ورد في أن الإمام الصادق (عليه السلام) دُعي من قبل أبي العباس السفاح (أبو العباس السفاح أول خلفاء الدولة العباسية، جاء إلى الحكم سنة ١٣٢ هجرية)، فأحضر الإمام الصادق من المدينة إلى الحيرة (مجاور الكوفة) وابقاه هناك سنتين، وكان يستدعيه بين فترة وأخرى. فاستدعى أبو العباس السفاحُ جعفرَ بن محمد الصادق (عليه السلام)، فقام الإمام (عليه السلام) ودعا بمُمَطَّرٍ أسود من ظاهره (ممطر يعني مثل "الأوفَركوت" الذي يلبسه الناس الآن، الظاهر منه لا يتاثر بالمطر كثيراً فيكون إما صوفاً وإما جلداً وإما مادة لا تمتص الماء، ومن الداخل يكون إما قطناً أو غيره). فدعا بممطر ظاهره أسود وباطنه أبيض، لما يراه الإنسان يراني يلبس ثوباً أسود أو ممطراً أسود، وقال: «إِنِّي لأَلْبَسُهُ وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ لِبَاسُ أَهْلِ النَّارِ»، ولكن الظروف تقتضي هذا؛ لا بد أن أذهب إلى أبي العباس السفاح.
يترافق هذا مع أن الدولة العباسية جعلت السواد لباساً وَعَلَماً وراية وشعاراً لهم، وأي واحد كان يمتنع من لبس الأسود يُعد ذلك معارضاً للدولة! لا بد أن تلبس في الاستقبالات الرسمية التي تذهب فيها إليهم أسود، وإلا يُعد ذلك مخالفة عليهم.
فهذا الإمام الصادق يقول: «أنا مع أني أعلم أن هذا لباس أهل النار» (الذين هم هؤلاء الحكام العباسيون الظلمة، والمفروض أن لا نتشبه بهم)، لما ورد من أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: «لا تَلْبَسُوا مَلاَبِسَ أَعْدَائِي، وَلا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي». ولذلك عندنا من العناوين المحرمة لبعض الأشياء هي "التشبه بالكفار وبأعداء الله"؛ ثوب إذا كان يعطي صورة كافر فالعلماء يقولون لك: لا تلبس هذا الشيء. هذا له أصل، وهو أن عنوان التشبه يجعل الثقافة الكافرة والباطلة تأتي إلينا، وهذا استخدموه ولا يزالون؛ الآن الغرب الكافر ماذا يفعل؟ يجلب ثقافته من خلال العلامات المسجلة التي تستتبع ثقافته.