لذلك من المهم أن نبين رؤية هنا، ولعله لا يتسع الوقت لليلة واحدة، ربما نحتاج إلى ليلتين خصوصاً أن بناءنا ليس على التطويل.
لبس السواد في سيرة النبي والأئمة عليهم السلام
في بداية هذه الليلة، لا بد أن نشير إلى أن الروايات الموجودة في موضوع لبس الأسود، الكثير منها تشير إلى أن نبينا المصطفى محمد وأن أهل البيت قد لبسوا الأسود حتى في حالات عادية:
- النبي الأكرم (ص): فمن ذلك ما جاء في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) -وهذا موجود في مصادر الفريقين- لما فتح مكة كان معتماً بعمامة سوداء، وخطب رسول الله في المسلمين وكان معتجراً بعمامة سوداء. فالنبي (صلى الله عليه وآله) قد لبس الأسود ولبس السواد، وهذا قبل أن تحدث قضية كربلاء بعقود من الزمان.
- أمير المؤمنين (ع): وأمير المؤمنين (عليه السلام) رُؤي في يوم حرب الجمل قد توسط الصفين وكان عليه عمامة سوداء.
- الإمام الحسن (ع): وخطب الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعد شهادة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في الناس وكان معتماً بعمامة سوداء.
- الإمام الحسين (ع): والامر الأوضح الذي ينقله شيخ الإسلام الكليني (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه (الكافي)؛ أن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم قُتل كان عليه جُبَّة خز دَكْنَاء (دكناء: هل رأيت الأسود عندما يميل كأنه عليه غبار؟ هناك أسود صافٍ جداً فهذا لا يقال له داكن، إذا علاه ما يشبه الغبار أو لوحته الشمس مثلاً فصار لونه ليس صافياً في السواد يقال له داكن). فالحسين (عليه السلام) عندما استشهد كان عليه جُبَّة خز دكناء، وفي رواية: رداء، عباءة، كساء... وعلى أي حال يمكن أن يكون هذا أو هذا، المهم أنه كان لباس الحسين (عليه السلام) عندما استشهد في السواد.
- نساء الحسين (ع) والإمام السجاد (ع): نساء الحسين (عليه السلام) -بحسب هذه الرواية التي نقلناها عن عمر بن علي بن الحسين (هذا يقال له الأشرف، عندنا عمر بن علي بن أبي طالب يقال له الأطرف؛ عمر الأطرف وعمر الأشرف، عمر الأشرف باعتبار ينتسب من الجهتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى أمير المؤمنين عليه السلام)- قال: نساء الحسين (عليه السلام) بعد شهادته: «لبسنا السواد والمسوح» (ثياب المسح عادة من الصوف تعبير عن أنه ليس لهن وقت أو خلق أن يلبسن أشياء نظيفة ومرتبة وعلى الموضة وهن في حالة مصيبة)، وأن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يراهن -وهنا محل الاستدلال؛ لأنه يقول لك هذا عمر الأشرف: نساء الحسين فعلن ذلك، ونساء الحسين لسن معصومات، لكن كان الإمام المعصوم يراهن ويعمل لهن الطعام وهن تحت مرأى منه ومنظره، فلو كان هناك مخالفة ولو على مستوى الكراهة لقال لهن أن البسن شيئاً آخر احسن-.
- الإمام الصادق (ع): بعد هذا أيضاً هناك رواية أن الإمام الصادق (عليه السلام) جاءه قوم وجماعة -لأنه يبدو أن هذه القضية كانت أُثيرت في زمان الإمام الصادق وما قبله- أرادوا أن يسألوه حول هل يصح أن نلبس السواد أم لا؟ تقول الرواية: فجاؤوا إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فوجدوه جالساً وعليه قلنسوة سوداء (طاقية حسب التعبير)، وعليه جُبَّة سوداء، وخُفٌّ أسود أيضاً (الخف يصنع عادة من القطن أو من الصوف مما لا يُخرج به خارج البيت)، خف أسود مبطن، ثم فتق ناحية منه وقال: «أَمَا إِنَّ قُطْنَهُ أَسْوَدُ» (يعني ليس فقط من الخارج فيه سواد، حتى القطن الذي بالداخل أيضاً أسود!). فبعد لا يحتاج أن يسألوه، هم قادمون ليسألوا: هل يجوز للرجل أن يلبس أسود أم لا يجوز؟ فرأوا الإمام هو نفسه يلبس كل هذه الأشياء.