رؤية تاريخية في روايات لبس السواد

رؤية تاريخية في روايات لبس السواد
00:00 --:--

بنو العباس جعلوا السواد شعاراً لهم؛ ولذلك عُرِفوا بـ "المُسَوِّدَة" تاريخياً. لما تذهب وتقرأ تقال: «قامت المسوّدة في وجه بني أمية» (المسودة يعني الذين ملابسهم سوداء)، هؤلاء أنفسهم الذين يقصدهم مثل النبي (صلى الله عليه وآله) "لباس أهل النار" باعتبار أنهم سيقتلون عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هؤلاء هم أعداء بيت العصمة والطهيرة الذين لا ينبغي أن يتشبه الإنسان بهم؛ لأنه سيكون حُكْماً منهم وإن كان حقيقة ليس منهم، فيصير في جبهتهم يروج لثقافتهم.

لما دخل على الخط موضوع العباسيين وهم المسودة وهم الذين كانوا يعاقبون... رُفِع إلى هارون العباسي أن فلاناً يفتي بأنه لا يجوز لبس السواد (ولعله رأى روايات النبي صلى الله عليه وآله)، فاستُدعي وقالوا: «أنت تفتي بعدم جواز لبس السواد؟» وهمَّ بأن يبطش به لولا أنهم قالوا له: «هذا رجل ليس صاحياً تماماً» فأخرجوها بهذا الشكل. لكن الرجل رأى مثل روايات "لباس أهل النار" وكذا فأفتى بذلك، ليس لأنه ليس من شيعة أهل البيت ولكن رأى مثل هذه الروايات.

هذه الروايات يُفترض أن جهتها هي جهة بني العباس؛ ليس السواد بذاته شيئاً سيئاً، وإنما لرمزايته ولشعاريته ولأنه عنوان قَتَلَةِ أهل البيت (عليهم السلام) من بني العباس، لذلك صار منكراً ولذلك صار ينبغي أن يُجتنب.

اللطيف أنك ترى الإمام الصادق (عليه السلام) من جهة يلبس السواد بما هو؛ أرادوا أن يسألوا: «هل نلبس أسود أم لا نلبس؟ صحيح أم غير صحيح؟»، فجاؤوا إليه ليسألوه عن هذا وإذا به جالس يلبس قلنسوة سوداء، وجبة سوداء، وخفاً أسود! ثم قالوا له في ذلك، فقال: «طَهِّرْ قَلْبَكَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ»؛ نَظِّف قلبك بوالاية آل محمد:

اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد.

وحينئذٍ ما دامت ثقافتك وعقائدك ودينك وتوجهك مناسباً لهم وموافقاً لهم (صلوات الله عليهم)، فلا يضرك أن تلبس هذا اللباس أو ذاك. نعم، إذا صار فيه تأييد لأعداء الله، تشبه بأعداء الله، تخلق بما كانوا يتخلقون به؛ فهنا تصبح علامة استفهام.

السواد بين الشعار العباسي وشعار الحزن الحسيني

ومشت الدولة العباسية على هذا من زمان مجيء أبي العباس السفاح؛ لماذا اتخذوا هذا؟ لأن الأمويين قتلوا مروان بن محمد (المعروف بمروان الحمار آخر خلفاء بني أمية)، وقتلوا زعيم العباسيين في ذلك الوقت الذي يسمونه "إبراهيم الإمام" (أخو أبي العباس السفاح وأخو أبي جعفر المنصور)؛ اعترضوه الأمويون وفي داخل السجن قتلوه، فلبسوا السواد عليه حتى يكون علامة فارقة بين مؤيديهم وبين مخالفيهم، وألزموا من كان يؤيدهم بأن يلبس السواد وأن يتظاهر به. راياتهم صارت سوداء، ملابس المقاتلين أصبحت سوداء... وهكذا حتى يتميز هؤلاء عن أولئك.

ومشى هذا من ذاك الوقت (١٣٢ هـ)، ونجد في زمان المتوكل العباسي (٢٤٠ - ٢٤٤ هـ أكثر أو أقل) هؤلاء الفقهاء الذين كانوا يتحرجون -مثل أحمد بن حنبل؛ أحمد بن حنبل وإن كان من مدرسة الخلفاء لكنه عارف بالروايات ويشاهد أن فيها أن من يلبس السواد... ولعله كان يرى أن هذا السواد المقصود به بني العباس- فكان يتحرج أن يلبس السواد ويدخل عليهم، وهؤلاء يشترطون أن أي أحد يأتي إلى ديوان الخلافة العباسية لا بد أن يلبس أسود! فكان يتحرج من ذلك، فلما وصل إليه الخبر من المتوكل العباسي بأنه قد أعفاه من لبس السواد، كان ذلك اليوم بالنسبة له يوم عيد: «تعال براحتك حتى لو لم تلبس لا بأس».

الأوزاعي في زمان المنصور العباسي (أحد فقهاء مدرسة الخلفاء) جاء إلى أبي جعفر المنصور فقط في حاجة واحدة، قال له: «ما حاجتك؟» (جاء وجلس معه والى آخره)، قال: «حاجتي فقط أن تعفيني من لبس السواد! إذا أردتني أن آتي فاعفني ولا تجعلني ألبس أسود، ألبس أي شيء على راحتي». لماذا؟ لأنه يرى مثلاً أن هذا شعار الدولة العباسية وحاسبوه عليه ويراقبونه عليه، ويرى أن هناك أحاديث تذم لبس الأسود من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة