رؤية تاريخية في روايات لبس السواد
بسم الله الرحمن الرحيم.
عن عمر الأشرف بن علي زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: «لَمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) لَبِسَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ وَالمُسُوحَ، وَكُنَّ لا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَلا بَرْدٍ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلامُ) يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ».
حديثنا في هذه الليلة يتناول موضوع "لبس السواد"، وهو من قضايا الموسم الحسيني، ونحاول أن نلقي برؤية تاريخية في هذه المسألة.
أهمية هذه المسألة أن العلماء بحثوها كثيراً في مواضع متعددة:
- في موضوع لباس المصلي: أكثر العلماء الذين بحثوا مسألة لباس المصلي يتعرضون إلى هذه المسألة: هل يُكره الصلاة في الثياب السوداء أم لا؟ وهناك روايات متخالفة ومتعارضة، وكل واحد من العلماء يسعى لإيجاد حل لها. هذه مسألة في الصلاة: هل يكره الصلاة في ثوب اسود؟ في عمامة سوداء؟ في عباءة سوداء؟ كساء اسود أم لا؟ يأتي بحث ذلك.
- في موضوع الحداد للمرأة التي تُوفي عنها زوجها: من المعلوم أن المرأة التي يتوفى عنها زوجها ملزمة بأن تحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، فتترك الزينة والخضاب والمكياج وإلى غير ذلك. هل يلزم أن تلبس السواد أم لا يلزم؟ هل يكره لها أم لا يكره؟ يستحب لها أم لا يستحب؟ أصل مسألة لبس الأسود هذه مسألة في باب آخر.
- في باب ثالث ما يرتبط بالموسم الحسيني: أيام محرم تأتي فتصطبغ الدنيا بالسواد. الغالب على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم يلبسون السواد في هذا الموسم؛ قسم من البعض يقتصر على العاشر، البعض يجعلها العشرة، البعض إلى ١٣، البعض إلى آخر شهر محرم، البعض إلى آخر شهر صفر.
فما هو الموقف الشرعي في هذا؟ لا سيما وأن بعض المتعصبين من المخالفين هذه شغلتهم: كلما يقرب موسم محرم ينشرون نشرات: «في رواياتكم روايات تذم لبس الثوب الأسود، فكيف أنتم تلبسونه في أيام محرم؟!».
فإذاً هذه القضية من القضايا التي في أكثر من باب فقهي وأكثر من مجال من المجالات يتم الحديث عنها ويبحثها عادة الفقهاء الكبار؛ قلَّ أن يكون عالم فقيه صاحب رسالة عملية إلا وعنده رأي في هذه المسألة واستدلال وما شابه. فإذاً القضية ليست قضية بسيطة أو هامشية، لا سيما وأن لبس السواد بالنسبة إلى شيعة أهل البيت في محرم أصبح الشعار الأول؛ الشعار الأول الذي يطغى على سائر الشعارات الأخرى.
يعني مثلاً افترض بين السواد وبين اللطم، بين السواد وبين البكاء؛ الشعار الذي على مستوى الاجتماعي والعالمي هو السواد. أنت لا تستطيع أن تلطم في كل الأوقات، صحيح أم لا؟ في حضور الناس، في غيابهم، في الليل، في النهار... تحتاج إلى بيئة مساعدة على اللطم، ولكن الثوب الأسود لا يحتاج إلى هذه البيئة أصلاً، أنت تلبسه وتستطيع طول الوقت وهو خفيف المؤونة.
اللطم والمجلس يحتاج إلى مكان، ويحتاج إلى زمان، ويحتاج إلى جماعة، ويحتاج مبالغ مالية... الثوب لا يحتاج؛ مجرد ثوب! هذا الثوب بدل أن تجعله أبيض تجعله أسود، وهو متنقل ولا يمكن أن يُمنع. يعني مثلاً افترض في بلد ما يُمنع العزاء، يُمنع الموكب، تُمنع القراءة... لكن هل يُمنع أحد من أن يلبس ثوباً أسود؟ لأن ليس فقط شيعة أهل البيت يلبسون الأسود، فلا يمكن منع هذا.
فأصبح شعار السواد هو الشعار الأول والأكبر والأعظم بالنسبة إلى الطائفة في أيام شهر محرم. ولذلك هؤلاء المتعصبون -نظراً لأن هذا شيء يُرى، فدمعتك ممكن تخفيها ولكن ثوبك لا يمكن تخفيه، دمعتك لها وقت معين ولكن ثوبك ليس له وقت معين: ذاهب إلى العمل، قادم من العمل، جالس مع الناس، مارٌّ في السوق... أنت تعبر بلبسك السواد عن الموسم الحسيني وعن موقفك فيه، وتعبير هادئ ومسالم وحسن- فيأتي هؤلاء المتعصبون ويتكلمون: «عندكم روايات وشلون تسوون؟» وهم يقومون يلطمون (حسب التعبير) على أنه لماذا تلبسون أسود؟!