رؤية تاريخية في روايات لبس السواد
بسم الله الرحمن الرحيم.
عن عمر الأشرف بن علي زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: «لَمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) لَبِسَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ وَالمُسُوحَ، وَكُنَّ لا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَلا بَرْدٍ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلامُ) يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ».
حديثنا في هذه الليلة يتناول موضوع "لبس السواد"، وهو من قضايا الموسم الحسيني، ونحاول أن نلقي برؤية تاريخية في هذه المسألة.
أهمية هذه المسألة أن العلماء بحثوها كثيراً في مواضع متعددة:
- في موضوع لباس المصلي: أكثر العلماء الذين بحثوا مسألة لباس المصلي يتعرضون إلى هذه المسألة: هل يُكره الصلاة في الثياب السوداء أم لا؟ وهناك روايات متخالفة ومتعارضة، وكل واحد من العلماء يسعى لإيجاد حل لها. هذه مسألة في الصلاة: هل يكره الصلاة في ثوب اسود؟ في عمامة سوداء؟ في عباءة سوداء؟ كساء اسود أم لا؟ يأتي بحث ذلك.
- في موضوع الحداد للمرأة التي تُوفي عنها زوجها: من المعلوم أن المرأة التي يتوفى عنها زوجها ملزمة بأن تحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، فتترك الزينة والخضاب والمكياج وإلى غير ذلك. هل يلزم أن تلبس السواد أم لا يلزم؟ هل يكره لها أم لا يكره؟ يستحب لها أم لا يستحب؟ أصل مسألة لبس الأسود هذه مسألة في باب آخر.
- في باب ثالث ما يرتبط بالموسم الحسيني: أيام محرم تأتي فتصطبغ الدنيا بالسواد. الغالب على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم يلبسون السواد في هذا الموسم؛ قسم من البعض يقتصر على العاشر، البعض يجعلها العشرة، البعض إلى ١٣، البعض إلى آخر شهر محرم، البعض إلى آخر شهر صفر.
فما هو الموقف الشرعي في هذا؟ لا سيما وأن بعض المتعصبين من المخالفين هذه شغلتهم: كلما يقرب موسم محرم ينشرون نشرات: «في رواياتكم روايات تذم لبس الثوب الأسود، فكيف أنتم تلبسونه في أيام محرم؟!».
فإذاً هذه القضية من القضايا التي في أكثر من باب فقهي وأكثر من مجال من المجالات يتم الحديث عنها ويبحثها عادة الفقهاء الكبار؛ قلَّ أن يكون عالم فقيه صاحب رسالة عملية إلا وعنده رأي في هذه المسألة واستدلال وما شابه. فإذاً القضية ليست قضية بسيطة أو هامشية، لا سيما وأن لبس السواد بالنسبة إلى شيعة أهل البيت في محرم أصبح الشعار الأول؛ الشعار الأول الذي يطغى على سائر الشعارات الأخرى.
يعني مثلاً افترض بين السواد وبين اللطم، بين السواد وبين البكاء؛ الشعار الذي على مستوى الاجتماعي والعالمي هو السواد. أنت لا تستطيع أن تلطم في كل الأوقات، صحيح أم لا؟ في حضور الناس، في غيابهم، في الليل، في النهار... تحتاج إلى بيئة مساعدة على اللطم، ولكن الثوب الأسود لا يحتاج إلى هذه البيئة أصلاً، أنت تلبسه وتستطيع طول الوقت وهو خفيف المؤونة.
اللطم والمجلس يحتاج إلى مكان، ويحتاج إلى زمان، ويحتاج إلى جماعة، ويحتاج مبالغ مالية... الثوب لا يحتاج؛ مجرد ثوب! هذا الثوب بدل أن تجعله أبيض تجعله أسود، وهو متنقل ولا يمكن أن يُمنع. يعني مثلاً افترض في بلد ما يُمنع العزاء، يُمنع الموكب، تُمنع القراءة... لكن هل يُمنع أحد من أن يلبس ثوباً أسود؟ لأن ليس فقط شيعة أهل البيت يلبسون الأسود، فلا يمكن منع هذا.
فأصبح شعار السواد هو الشعار الأول والأكبر والأعظم بالنسبة إلى الطائفة في أيام شهر محرم. ولذلك هؤلاء المتعصبون -نظراً لأن هذا شيء يُرى، فدمعتك ممكن تخفيها ولكن ثوبك لا يمكن تخفيه، دمعتك لها وقت معين ولكن ثوبك ليس له وقت معين: ذاهب إلى العمل، قادم من العمل، جالس مع الناس، مارٌّ في السوق... أنت تعبر بلبسك السواد عن الموسم الحسيني وعن موقفك فيه، وتعبير هادئ ومسالم وحسن- فيأتي هؤلاء المتعصبون ويتكلمون: «عندكم روايات وشلون تسوون؟» وهم يقومون يلطمون (حسب التعبير) على أنه لماذا تلبسون أسود؟!
لذلك من المهم أن نبين رؤية هنا، ولعله لا يتسع الوقت لليلة واحدة، ربما نحتاج إلى ليلتين خصوصاً أن بناءنا ليس على التطويل.
لبس السواد في سيرة النبي والأئمة عليهم السلام
في بداية هذه الليلة، لا بد أن نشير إلى أن الروايات الموجودة في موضوع لبس الأسود، الكثير منها تشير إلى أن نبينا المصطفى محمد وأن أهل البيت قد لبسوا الأسود حتى في حالات عادية:
- النبي الأكرم (ص): فمن ذلك ما جاء في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) -وهذا موجود في مصادر الفريقين- لما فتح مكة كان معتماً بعمامة سوداء، وخطب رسول الله في المسلمين وكان معتجراً بعمامة سوداء. فالنبي (صلى الله عليه وآله) قد لبس الأسود ولبس السواد، وهذا قبل أن تحدث قضية كربلاء بعقود من الزمان.
- أمير المؤمنين (ع): وأمير المؤمنين (عليه السلام) رُؤي في يوم حرب الجمل قد توسط الصفين وكان عليه عمامة سوداء.
- الإمام الحسن (ع): وخطب الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعد شهادة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في الناس وكان معتماً بعمامة سوداء.
- الإمام الحسين (ع): والامر الأوضح الذي ينقله شيخ الإسلام الكليني (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه (الكافي)؛ أن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم قُتل كان عليه جُبَّة خز دَكْنَاء (دكناء: هل رأيت الأسود عندما يميل كأنه عليه غبار؟ هناك أسود صافٍ جداً فهذا لا يقال له داكن، إذا علاه ما يشبه الغبار أو لوحته الشمس مثلاً فصار لونه ليس صافياً في السواد يقال له داكن). فالحسين (عليه السلام) عندما استشهد كان عليه جُبَّة خز دكناء، وفي رواية: رداء، عباءة، كساء... وعلى أي حال يمكن أن يكون هذا أو هذا، المهم أنه كان لباس الحسين (عليه السلام) عندما استشهد في السواد.
- نساء الحسين (ع) والإمام السجاد (ع): نساء الحسين (عليه السلام) -بحسب هذه الرواية التي نقلناها عن عمر بن علي بن الحسين (هذا يقال له الأشرف، عندنا عمر بن علي بن أبي طالب يقال له الأطرف؛ عمر الأطرف وعمر الأشرف، عمر الأشرف باعتبار ينتسب من الجهتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى أمير المؤمنين عليه السلام)- قال: نساء الحسين (عليه السلام) بعد شهادته: «لبسنا السواد والمسوح» (ثياب المسح عادة من الصوف تعبير عن أنه ليس لهن وقت أو خلق أن يلبسن أشياء نظيفة ومرتبة وعلى الموضة وهن في حالة مصيبة)، وأن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يراهن -وهنا محل الاستدلال؛ لأنه يقول لك هذا عمر الأشرف: نساء الحسين فعلن ذلك، ونساء الحسين لسن معصومات، لكن كان الإمام المعصوم يراهن ويعمل لهن الطعام وهن تحت مرأى منه ومنظره، فلو كان هناك مخالفة ولو على مستوى الكراهة لقال لهن أن البسن شيئاً آخر احسن-.
- الإمام الصادق (ع): بعد هذا أيضاً هناك رواية أن الإمام الصادق (عليه السلام) جاءه قوم وجماعة -لأنه يبدو أن هذه القضية كانت أُثيرت في زمان الإمام الصادق وما قبله- أرادوا أن يسألوه حول هل يصح أن نلبس السواد أم لا؟ تقول الرواية: فجاؤوا إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فوجدوه جالساً وعليه قلنسوة سوداء (طاقية حسب التعبير)، وعليه جُبَّة سوداء، وخُفٌّ أسود أيضاً (الخف يصنع عادة من القطن أو من الصوف مما لا يُخرج به خارج البيت)، خف أسود مبطن، ثم فتق ناحية منه وقال: «أَمَا إِنَّ قُطْنَهُ أَسْوَدُ» (يعني ليس فقط من الخارج فيه سواد، حتى القطن الذي بالداخل أيضاً أسود!). فبعد لا يحتاج أن يسألوه، هم قادمون ليسألوا: هل يجوز للرجل أن يلبس أسود أم لا يجوز؟ فرأوا الإمام هو نفسه يلبس كل هذه الأشياء.
هذه من السيرة والروايات التي تشير إلى أن قضية لبس السواد -سواء من رسول الله، من أمير المؤمنين، من الحسن، من الحسين، من نساء الحسين بمرأى من زين العابدين في قضية الحزن على الحسين عليه السلام، من الإمام الصادق عليه السلام-... فما الذي غير المعادلة؟
الروايات الناهية عن لبس السواد وجهة صدورها
وعندنا روايات مثلاً أن: «السواد لباس أهل النار»، فكيف صار هذا لباس أهل النار ويُكره لبس السواد؟ وعندنا أحاديث بدءاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانت نازل، أشير إلى بعضها:
- الرواية الأولى: ما ورد أن جبرائيل نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه قباء أسود ومنطقة (هذه التي يشدونها الآن أحياناً في المصارعة أو في بعض لباس بعض المدن ويضعون فيها خنجراً أو ما شابه ذلك)، نزل جبرائيل على رسول الله وعليه قباء أسود ومنطقة فيها خنجر، فقال: «يا جبرائيل ما هذا؟» (ما هذا الزي الذي جئت به؟ لباس جبرائيل هكذا؟)، فقال: «زي ولد عمك العباس». فخرج النبي إلى العباس وقال: «يَا عَمِّ، وَيْلٌ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِكَ!»؛ سيأتي بنو العباس وهذا الزي الرسمي الخاص بهم، وسينتقمون من أولادي! حتى قيل إن العباس قال له: «يا رسول الله، أفلا أجب نفسي؟» (يعني أقطع نسلي حتى أفقد القدرة على الإنجاب)، وكان العباس مكثراً من الأولاد قبل أن يسلم (كان ملأ الدنيا من الولد)، فقال: «لا، جَرَى القَلَمُ». فهنا نرى مثلاً أن النبي (صلى الله عليه وآله) استنكر هذا الأمر، وأنه سوف يكون يوماً أسود لولد رسول الله من ولد العباس بن عبد المطلب.
- الرواية الثانية: سُئل أيضاً في رواية أخرى عن لبس السواد فقال: «ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ»، وكان زينة فرعون يوم أغرقه الله تعالى السواد (هم لباس أهل النار في النار لبسهم أسود، وكان لون ثوب فرعون يوم أغرقه الله هو الثوب الأسود). وهذا يُستفاد منه كراهة غير قليلة إذا كان لباس أهل النار وكان هذا لباس فرعون وما شابه ذلك.
طيب، ما الذي حدث حتى قال النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا؟
في روايات أخرى عندنا تذم لبس السواد؛ مثلاً ما ورد في أن الإمام الصادق (عليه السلام) دُعي من قبل أبي العباس السفاح (أبو العباس السفاح أول خلفاء الدولة العباسية، جاء إلى الحكم سنة ١٣٢ هجرية)، فأحضر الإمام الصادق من المدينة إلى الحيرة (مجاور الكوفة) وابقاه هناك سنتين، وكان يستدعيه بين فترة وأخرى. فاستدعى أبو العباس السفاحُ جعفرَ بن محمد الصادق (عليه السلام)، فقام الإمام (عليه السلام) ودعا بمُمَطَّرٍ أسود من ظاهره (ممطر يعني مثل "الأوفَركوت" الذي يلبسه الناس الآن، الظاهر منه لا يتاثر بالمطر كثيراً فيكون إما صوفاً وإما جلداً وإما مادة لا تمتص الماء، ومن الداخل يكون إما قطناً أو غيره). فدعا بممطر ظاهره أسود وباطنه أبيض، لما يراه الإنسان يراني يلبس ثوباً أسود أو ممطراً أسود، وقال: «إِنِّي لأَلْبَسُهُ وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ لِبَاسُ أَهْلِ النَّارِ»، ولكن الظروف تقتضي هذا؛ لا بد أن أذهب إلى أبي العباس السفاح.
يترافق هذا مع أن الدولة العباسية جعلت السواد لباساً وَعَلَماً وراية وشعاراً لهم، وأي واحد كان يمتنع من لبس الأسود يُعد ذلك معارضاً للدولة! لا بد أن تلبس في الاستقبالات الرسمية التي تذهب فيها إليهم أسود، وإلا يُعد ذلك مخالفة عليهم.
فهذا الإمام الصادق يقول: «أنا مع أني أعلم أن هذا لباس أهل النار» (الذين هم هؤلاء الحكام العباسيون الظلمة، والمفروض أن لا نتشبه بهم)، لما ورد من أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: «لا تَلْبَسُوا مَلاَبِسَ أَعْدَائِي، وَلا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي». ولذلك عندنا من العناوين المحرمة لبعض الأشياء هي "التشبه بالكفار وبأعداء الله"؛ ثوب إذا كان يعطي صورة كافر فالعلماء يقولون لك: لا تلبس هذا الشيء. هذا له أصل، وهو أن عنوان التشبه يجعل الثقافة الكافرة والباطلة تأتي إلينا، وهذا استخدموه ولا يزالون؛ الآن الغرب الكافر ماذا يفعل؟ يجلب ثقافته من خلال العلامات المسجلة التي تستتبع ثقافته.
بنو العباس جعلوا السواد شعاراً لهم؛ ولذلك عُرِفوا بـ "المُسَوِّدَة" تاريخياً. لما تذهب وتقرأ تقال: «قامت المسوّدة في وجه بني أمية» (المسودة يعني الذين ملابسهم سوداء)، هؤلاء أنفسهم الذين يقصدهم مثل النبي (صلى الله عليه وآله) "لباس أهل النار" باعتبار أنهم سيقتلون عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هؤلاء هم أعداء بيت العصمة والطهيرة الذين لا ينبغي أن يتشبه الإنسان بهم؛ لأنه سيكون حُكْماً منهم وإن كان حقيقة ليس منهم، فيصير في جبهتهم يروج لثقافتهم.
لما دخل على الخط موضوع العباسيين وهم المسودة وهم الذين كانوا يعاقبون... رُفِع إلى هارون العباسي أن فلاناً يفتي بأنه لا يجوز لبس السواد (ولعله رأى روايات النبي صلى الله عليه وآله)، فاستُدعي وقالوا: «أنت تفتي بعدم جواز لبس السواد؟» وهمَّ بأن يبطش به لولا أنهم قالوا له: «هذا رجل ليس صاحياً تماماً» فأخرجوها بهذا الشكل. لكن الرجل رأى مثل روايات "لباس أهل النار" وكذا فأفتى بذلك، ليس لأنه ليس من شيعة أهل البيت ولكن رأى مثل هذه الروايات.
هذه الروايات يُفترض أن جهتها هي جهة بني العباس؛ ليس السواد بذاته شيئاً سيئاً، وإنما لرمزايته ولشعاريته ولأنه عنوان قَتَلَةِ أهل البيت (عليهم السلام) من بني العباس، لذلك صار منكراً ولذلك صار ينبغي أن يُجتنب.
اللطيف أنك ترى الإمام الصادق (عليه السلام) من جهة يلبس السواد بما هو؛ أرادوا أن يسألوا: «هل نلبس أسود أم لا نلبس؟ صحيح أم غير صحيح؟»، فجاؤوا إليه ليسألوه عن هذا وإذا به جالس يلبس قلنسوة سوداء، وجبة سوداء، وخفاً أسود! ثم قالوا له في ذلك، فقال: «طَهِّرْ قَلْبَكَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ»؛ نَظِّف قلبك بوالاية آل محمد:
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد.
وحينئذٍ ما دامت ثقافتك وعقائدك ودينك وتوجهك مناسباً لهم وموافقاً لهم (صلوات الله عليهم)، فلا يضرك أن تلبس هذا اللباس أو ذاك. نعم، إذا صار فيه تأييد لأعداء الله، تشبه بأعداء الله، تخلق بما كانوا يتخلقون به؛ فهنا تصبح علامة استفهام.
السواد بين الشعار العباسي وشعار الحزن الحسيني
ومشت الدولة العباسية على هذا من زمان مجيء أبي العباس السفاح؛ لماذا اتخذوا هذا؟ لأن الأمويين قتلوا مروان بن محمد (المعروف بمروان الحمار آخر خلفاء بني أمية)، وقتلوا زعيم العباسيين في ذلك الوقت الذي يسمونه "إبراهيم الإمام" (أخو أبي العباس السفاح وأخو أبي جعفر المنصور)؛ اعترضوه الأمويون وفي داخل السجن قتلوه، فلبسوا السواد عليه حتى يكون علامة فارقة بين مؤيديهم وبين مخالفيهم، وألزموا من كان يؤيدهم بأن يلبس السواد وأن يتظاهر به. راياتهم صارت سوداء، ملابس المقاتلين أصبحت سوداء... وهكذا حتى يتميز هؤلاء عن أولئك.
ومشى هذا من ذاك الوقت (١٣٢ هـ)، ونجد في زمان المتوكل العباسي (٢٤٠ - ٢٤٤ هـ أكثر أو أقل) هؤلاء الفقهاء الذين كانوا يتحرجون -مثل أحمد بن حنبل؛ أحمد بن حنبل وإن كان من مدرسة الخلفاء لكنه عارف بالروايات ويشاهد أن فيها أن من يلبس السواد... ولعله كان يرى أن هذا السواد المقصود به بني العباس- فكان يتحرج أن يلبس السواد ويدخل عليهم، وهؤلاء يشترطون أن أي أحد يأتي إلى ديوان الخلافة العباسية لا بد أن يلبس أسود! فكان يتحرج من ذلك، فلما وصل إليه الخبر من المتوكل العباسي بأنه قد أعفاه من لبس السواد، كان ذلك اليوم بالنسبة له يوم عيد: «تعال براحتك حتى لو لم تلبس لا بأس».
الأوزاعي في زمان المنصور العباسي (أحد فقهاء مدرسة الخلفاء) جاء إلى أبي جعفر المنصور فقط في حاجة واحدة، قال له: «ما حاجتك؟» (جاء وجلس معه والى آخره)، قال: «حاجتي فقط أن تعفيني من لبس السواد! إذا أردتني أن آتي فاعفني ولا تجعلني ألبس أسود، ألبس أي شيء على راحتي». لماذا؟ لأنه يرى مثلاً أن هذا شعار الدولة العباسية وحاسبوه عليه ويراقبونه عليه، ويرى أن هناك أحاديث تذم لبس الأسود من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
أما إذا كان هذا اللباس ليس بهذا العنوان، فيُفترض أنه لا محذور فيه؛ ولذلك لبسه رسول الله بعمامته، ولبسه علي، ولبسه الحسن، ولبسه الحسين جُبَّة أو عباءة كاملة في يوم استشهاده وغير هؤلاء. والإمام الصادق كما ذكرنا يجلس وهو لابس كل هذه الملابس ما دام بلا عنوان تأييد العباسيين (أعداء الله في ذلك الوقت) فلا محذور فيه.
هذه الجهة التاريخية لعلها من الجهات التي تحل جانباً مما ظاهره المخالفة بين كون النبي وسائر المعصومين قد لبسوا السواد في ظرف ليس تقية (النبي لم يكن في ظرف تقية؛ قد تقول مثلاً الإمام الهادي رُؤي وعليه جبة سوداء أيام المتوكل العباسي، فهذا يمكنك أن تقول إنه ظرف تقية ولا بد للإمام عليه السلام أن يلاحظ هذا الأمر، والإمام الصادق يدخل على السفاح يلبس هذا بناءً على التقية. لكن النبي ما هي التقية التي عنده ليلبس عمامة سوداء؟ ليس هناك تقية! الإمام علي ما التقية التي عنده؟ ليس عنده! الإمام الحسن ما التقية التي عنده؟)، إنما جُعلت هذه الحالة عند الإلزام بالسواد ولبسه أيام العباسيين وقد انقضت أيام هؤلاء.
إذاً توجه الإنسان إلى أن هذا كان شعاراً لبني العباس ألزموا الناس به وجَيَّروا الناس له (لما يرى شخص أن الناس كلهم في السوق وفي الجيش ذاهبين وقادمين كلهم لابسون الأسود يقول: ما شاء الله كل الناس أصبحوا مؤيدين لهم!)، فلا يُراد هذا التأييد في ذلك الزمان، لذلك بعض الأحاديث استبقت كل هذا كأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعض الأحاديث الأخرى تأخرت إلى زمان مثل الإمام الصادق (عليه السلام) ومن بعده من الأئمة المعصومين.
وأما لو لم يكن بهذا العنوان، فلا يُفترض أنه لباس أهل النار ولا لباس فرعون ولا لباس كذا، وشاهده ما ذكرنا من الحديث الذي ينقله عمر الأشرف في قضية نساء الحسين (عليه السلام) وأنهن لبسن المسوح والسواد وكن ينحن على الحسين (عليه السلام) ويبكين في المأتم، وكان الإمام السجاد يعمل لهن الطعام.
وهذا أيضاً من الأدلة التي تُورد ويقال بها في رجحان واستحباب عمل الطعام؛ فالحسين (عليه السلام) بعد شهادته انشغلت نساء وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) بأمرين:
- الامر الأول المباشر: وهو سفر السبي من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، ومن الشام إلى كربلاء ومنها إلى المدينة.
- الامر الثاني: انشغلن أيضاً فيما بعد بتأسيس النياحة والبكاء على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في المدينة المنورة.
وهذا الحديث ناظر إلى تلك الفترة؛ أن نساء الحسين (عليه السلام) في المدينة المنورة كن يعملن المأتم ويلبسن الملابس المناسبة لها.
توجيه للمؤمنات في المجالس الحسينية
لذلك ينبغي أن تتوجه المؤمنات -وهذا من نافلة القول وإلا هن متوجهات بحمد الله تعالى لوعيهن- أن المأتم لا يناسبه ما قد يظهر من الزينة أو من الهيئة المتعطرة أو هيئة الملابس الملفتة للنظر، بل اتُّخِذ السواد باعتبار أنه أولاً هو شعار الحزن (سياتي إن شاء الله في ليلة قادمة الحديث عن شعارات الحزن في المجتمعات كيف هي في المجتمع العربي وفي جواره، بل في كثير من المجتمعات شعار الحزن هو اللون الأسود).
وبالنسبة إلى المؤمنات يُضاف عنوان آخر، وهو أن اللباس الأسود هو أبعد عن إبراز الفتنة وما شابه ذلك، وأبعد عن لفت النظر. تتصور مثلاً بين أن تلبس امرأة عباءة سوداء وبين أن تلبس ثوباً مزركشاً ومنقشاً وألواناً فاقعة وما شابه ذلك، الغالب أن هذا الثاني هو الذي يجذب الأنظار، بينما فلسفة الحجاب هي إبعاد النظر وكف النظر.
بالإضافة إلى هذا ينبغي للمرأة المسلمة أن تأتي إلى مجالس الحسين (عليه السلام) بعيدة كل البعد عن المكياج، بعيدة عن الزينة، بعيدة عن هذه المظاهر التي تتناسب مع الأعراس غالباً ولا تتناسب مع المصائب. نفس هذه المرأة (لا سمح الله) لو تأتي في فاتحة أمها مثلاً لا تأتي بهذا؛ تبكي وتكون غير متزينة، غير متعطرة، غير متمكيجة. أنتِ الآن ذاهبة على أساس تعزين الزهراء البتول (صلوات الله وسلامه عليها) وتسعفينها وتساعدينها في ذلك، فلو تصورنا أن الزهراء كانت في ذلك المجلس وجاءت امرأة في تلك الحالة من الحزن والملابس المناسبة لمجالس الحزن، وجاءت واحدة بكامل زينتها وبكامل مظهرها، هل سيكون موقف الزهراء (عليها السلام) أن ترحب بها أم على خلاف ذلك؟!
فهذا كان دورهن في المدينة المنورة (صلوات الله عليهن)، وأما الدور الآخر فقد كان في السبي، وتشاطرت -يخاطب ويعرّف الشاعر زينب العقيلة (عليها السلام) وسائر النساء بقوله-:
وَتَشَاطَرَتْ هِيَ وَالحُسَيْنُ بِنَهْضَةٍ ... كَتَبَ القَضَاءُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَنِدِبَا
هَذَا بِمُشْتَبَكِ الرِّمَاحِ وَهَذِهِ ... فِي حَيْثُ مُعْتَرَكِ المَكَارِهِ فِي السَّبَا
تَرَى ما عانته زينب (عليها السلام) وقاسته من الآلام ليس أقل مما قاساه الرجال في المعارك والجراحات؛ إذا كانت معركة استمرت بالنسبة إلى بعض هؤلاء الابطال ساعة من الزمان، فزينب (عليها السلام) في معركة استمرت ٤٠ يوماً من الأذى، من الإهانات، من الضرب! حتى وهي تقول (بأبي هي وأمي): «لو خيروني بين المقام عندك والرحيل عنك لاخترت المقام على الرحيل، ولكن الأمر كما ترى؛ هذه النياق تجاذبنا بالمسير»، ثم تقول: «وهذا متني قد اسودّ من الضرب!».
كم ضُرِبت زينب (عليها السلام) حتى صار متنها أسود من الضرب؟! فالضربة لا تصبح سوداء إلا إذا كانت في غاية القسوة يلا تصبح ضربة سوداء!
وهل كانت تتعمد زينب ذلك؟ ربما نعم، وربما لجهة أخرى وهي أنه كلما أرادوا أن يضربوا طفلاً أو طفلة مدت يديها وألقت بنفسها على ذلك الطفل أو تلك المرأة، فتقع الضربة على جسم العقيلة زينب! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إلى أن عزموا عليهم، والأيام هذه هي أيام الطريق من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وكيف هي سفرة شؤم!
يُومْ مَرُّوا بِالمَذَابِيحْ كِلْهُمْ عَرَايَا ... وَالجَسَدْ وَالكَفَنْ مُتْسَافِي الرِّيحْ
وَمِنْ الحُزْنُ زَيْنَبْ تِقُومْ وَنُوبْ تِطِيحْ ... وَتِصِيحْ ذَابْ القَلْبُ مِنْ فَرْطِ الرَّزِيَّه
وَرَمْلَه عَلَى الجَاسِمْ سُوَاهْ تِلْطِمْ صَدِرْهَا ... تْنادِي عَرُوسَكْ بْنِ سَعْدْ يَا ابْنِي أَسَرَه
وِانْتِ صَرِيعْ وَجُثَّتَكْ مَا حَدْ قَبَرَاهْ ... مْدَلَّلْ يَا عَقْلِي وشْلُونْ تِبْقَى عَلَى الوَطِيَّه؟
وَلَيْلَى عَلَى شِبْهِ النَّبِي تِلْطِمْ الخُدُودْ ... مِنْ شَافَتُه مْغَمَّضْ وَفُوقْ التَّرَبْ مَمْدُودْ
وَتِصِيحْ يَا ابْنِي لِبْسِي سُودِ العُقُودْ ... مْدَلَّلْ يَا عَقْلِي وَبِالثَّرَى تِبْقَى رَمِيَّه
هذه زينب، ومن قبلُ كانت بفناء دارها تحط الرحال!