رؤية تاريخية في روايات لبس السواد

رؤية تاريخية في روايات لبس السواد
00:00 --:--

مصائب السبي وعقيلة بني هاشم

فهذا كان دورهن في المدينة المنورة (صلوات الله عليهن)، وأما الدور الآخر فقد كان في السبي، وتشاطرت -يخاطب ويعرّف الشاعر زينب العقيلة (عليها السلام) وسائر النساء بقوله-:

وَتَشَاطَرَتْ هِيَ وَالحُسَيْنُ بِنَهْضَةٍ ... كَتَبَ القَضَاءُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَنِدِبَا

هَذَا بِمُشْتَبَكِ الرِّمَاحِ وَهَذِهِ ... فِي حَيْثُ مُعْتَرَكِ المَكَارِهِ فِي السَّبَا

تَرَى ما عانته زينب (عليها السلام) وقاسته من الآلام ليس أقل مما قاساه الرجال في المعارك والجراحات؛ إذا كانت معركة استمرت بالنسبة إلى بعض هؤلاء الابطال ساعة من الزمان، فزينب (عليها السلام) في معركة استمرت ٤٠ يوماً من الأذى، من الإهانات، من الضرب! حتى وهي تقول (بأبي هي وأمي): «لو خيروني بين المقام عندك والرحيل عنك لاخترت المقام على الرحيل، ولكن الأمر كما ترى؛ هذه النياق تجاذبنا بالمسير»، ثم تقول: «وهذا متني قد اسودّ من الضرب!».

كم ضُرِبت زينب (عليها السلام) حتى صار متنها أسود من الضرب؟! فالضربة لا تصبح سوداء إلا إذا كانت في غاية القسوة يلا تصبح ضربة سوداء!

وهل كانت تتعمد زينب ذلك؟ ربما نعم، وربما لجهة أخرى وهي أنه كلما أرادوا أن يضربوا طفلاً أو طفلة مدت يديها وألقت بنفسها على ذلك الطفل أو تلك المرأة، فتقع الضربة على جسم العقيلة زينب! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

إلى أن عزموا عليهم، والأيام هذه هي أيام الطريق من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وكيف هي سفرة شؤم!

يُومْ مَرُّوا بِالمَذَابِيحْ كِلْهُمْ عَرَايَا ... وَالجَسَدْ وَالكَفَنْ مُتْسَافِي الرِّيحْ

وَمِنْ الحُزْنُ زَيْنَبْ تِقُومْ وَنُوبْ تِطِيحْ ... وَتِصِيحْ ذَابْ القَلْبُ مِنْ فَرْطِ الرَّزِيَّه

وَرَمْلَه عَلَى الجَاسِمْ سُوَاهْ تِلْطِمْ صَدِرْهَا ... تْنادِي عَرُوسَكْ بْنِ سَعْدْ يَا ابْنِي أَسَرَه

وِانْتِ صَرِيعْ وَجُثَّتَكْ مَا حَدْ قَبَرَاهْ ... مْدَلَّلْ يَا عَقْلِي وشْلُونْ تِبْقَى عَلَى الوَطِيَّه؟

وَلَيْلَى عَلَى شِبْهِ النَّبِي تِلْطِمْ الخُدُودْ ... مِنْ شَافَتُه مْغَمَّضْ وَفُوقْ التَّرَبْ مَمْدُودْ

وَتِصِيحْ يَا ابْنِي لِبْسِي سُودِ العُقُودْ ... مْدَلَّلْ يَا عَقْلِي وَبِالثَّرَى تِبْقَى رَمِيَّه

هذه زينب، ومن قبلُ كانت بفناء دارها تحط الرحال!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة