رؤية تاريخية في روايات لبس السواد

رؤية تاريخية في روايات لبس السواد
00:00 --:--

أما إذا كان هذا اللباس ليس بهذا العنوان، فيُفترض أنه لا محذور فيه؛ ولذلك لبسه رسول الله بعمامته، ولبسه علي، ولبسه الحسن، ولبسه الحسين جُبَّة أو عباءة كاملة في يوم استشهاده وغير هؤلاء. والإمام الصادق كما ذكرنا يجلس وهو لابس كل هذه الملابس ما دام بلا عنوان تأييد العباسيين (أعداء الله في ذلك الوقت) فلا محذور فيه.

هذه الجهة التاريخية لعلها من الجهات التي تحل جانباً مما ظاهره المخالفة بين كون النبي وسائر المعصومين قد لبسوا السواد في ظرف ليس تقية (النبي لم يكن في ظرف تقية؛ قد تقول مثلاً الإمام الهادي رُؤي وعليه جبة سوداء أيام المتوكل العباسي، فهذا يمكنك أن تقول إنه ظرف تقية ولا بد للإمام عليه السلام أن يلاحظ هذا الأمر، والإمام الصادق يدخل على السفاح يلبس هذا بناءً على التقية. لكن النبي ما هي التقية التي عنده ليلبس عمامة سوداء؟ ليس هناك تقية! الإمام علي ما التقية التي عنده؟ ليس عنده! الإمام الحسن ما التقية التي عنده؟)، إنما جُعلت هذه الحالة عند الإلزام بالسواد ولبسه أيام العباسيين وقد انقضت أيام هؤلاء.

إذاً توجه الإنسان إلى أن هذا كان شعاراً لبني العباس ألزموا الناس به وجَيَّروا الناس له (لما يرى شخص أن الناس كلهم في السوق وفي الجيش ذاهبين وقادمين كلهم لابسون الأسود يقول: ما شاء الله كل الناس أصبحوا مؤيدين لهم!)، فلا يُراد هذا التأييد في ذلك الزمان، لذلك بعض الأحاديث استبقت كل هذا كأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعض الأحاديث الأخرى تأخرت إلى زمان مثل الإمام الصادق (عليه السلام) ومن بعده من الأئمة المعصومين.

وأما لو لم يكن بهذا العنوان، فلا يُفترض أنه لباس أهل النار ولا لباس فرعون ولا لباس كذا، وشاهده ما ذكرنا من الحديث الذي ينقله عمر الأشرف في قضية نساء الحسين (عليه السلام) وأنهن لبسن المسوح والسواد وكن ينحن على الحسين (عليه السلام) ويبكين في المأتم، وكان الإمام السجاد يعمل لهن الطعام.

وهذا أيضاً من الأدلة التي تُورد ويقال بها في رجحان واستحباب عمل الطعام؛ فالحسين (عليه السلام) بعد شهادته انشغلت نساء وأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) بأمرين:

  1. الامر الأول المباشر: وهو سفر السبي من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، ومن الشام إلى كربلاء ومنها إلى المدينة.
  2. الامر الثاني: انشغلن أيضاً فيما بعد بتأسيس النياحة والبكاء على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في المدينة المنورة.

وهذا الحديث ناظر إلى تلك الفترة؛ أن نساء الحسين (عليه السلام) في المدينة المنورة كن يعملن المأتم ويلبسن الملابس المناسبة لها.

توجيه للمؤمنات في المجالس الحسينية

لذلك ينبغي أن تتوجه المؤمنات -وهذا من نافلة القول وإلا هن متوجهات بحمد الله تعالى لوعيهن- أن المأتم لا يناسبه ما قد يظهر من الزينة أو من الهيئة المتعطرة أو هيئة الملابس الملفتة للنظر، بل اتُّخِذ السواد باعتبار أنه أولاً هو شعار الحزن (سياتي إن شاء الله في ليلة قادمة الحديث عن شعارات الحزن في المجتمعات كيف هي في المجتمع العربي وفي جواره، بل في كثير من المجتمعات شعار الحزن هو اللون الأسود).

وبالنسبة إلى المؤمنات يُضاف عنوان آخر، وهو أن اللباس الأسود هو أبعد عن إبراز الفتنة وما شابه ذلك، وأبعد عن لفت النظر. تتصور مثلاً بين أن تلبس امرأة عباءة سوداء وبين أن تلبس ثوباً مزركشاً ومنقشاً وألواناً فاقعة وما شابه ذلك، الغالب أن هذا الثاني هو الذي يجذب الأنظار، بينما فلسفة الحجاب هي إبعاد النظر وكف النظر.

بالإضافة إلى هذا ينبغي للمرأة المسلمة أن تأتي إلى مجالس الحسين (عليه السلام) بعيدة كل البعد عن المكياج، بعيدة عن الزينة، بعيدة عن هذه المظاهر التي تتناسب مع الأعراس غالباً ولا تتناسب مع المصائب. نفس هذه المرأة (لا سمح الله) لو تأتي في فاتحة أمها مثلاً لا تأتي بهذا؛ تبكي وتكون غير متزينة، غير متعطرة، غير متمكيجة. أنتِ الآن ذاهبة على أساس تعزين الزهراء البتول (صلوات الله وسلامه عليها) وتسعفينها وتساعدينها في ذلك، فلو تصورنا أن الزهراء كانت في ذلك المجلس وجاءت امرأة في تلك الحالة من الحزن والملابس المناسبة لمجالس الحزن، وجاءت واحدة بكامل زينتها وبكامل مظهرها، هل سيكون موقف الزهراء (عليها السلام) أن ترحب بها أم على خلاف ذلك؟!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة