نعم، ورد كثيراً هذا التعبير عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «نحن ورثة الأنبياء»، وأيضاً في الزيارات (الزيارة الجامعة) أيضاً عندما تُعدَّد صفات الأئمة (عليهم السلام): "أهل التقوى، وأعلام الهدى، وورثة الأنبياء..." وهكذا. بل في أكثر من زيارة وُصِف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنه ورث الأنبياء، غير زيارة وارث أيضاً. المقصود منه: ما كان لدى هؤلاء الأنبياء من كمالات ومن علوم ومن مناصب سوى النبوة هي أيضاً عند الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). هذا في أمر توضيح قضية الوراثة والوارثية وكون الحسين (عليه السلام) وارثاً لأولئك الأنبياء.
وجه المشابهة بين نهضة الحسين وحركة الأنبياء
قبل أن نبدا في شرح جهات الوراثة بين الحسين وبين سائر الأنبياء، نشير إلى أن الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته أعطى تصريحات، وألقى كلمات، وتفوه بآيات فيها إشارات إلى وجه المشابهة بينه وبين الأنبياء السابقين؛ يعني: «هذا مسيري، هذه نهضتي، هذا خروجي مشابه لما كان عليه الأنبياء».
- فهو (صلوات الله وسلامه عليه) أول ما أراد الخروج من المدينة وكتب كتابه لأخيه محمد بن الحنفية مبيناً فيه شيئاً من أهدافه: وأنه يشهد أن لا إله إلا الله... إلى آخره، «وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». هذا التعبير "طلب الإصلاح" نجد صداه في حياة نبي الله شعيب عندما كان يخاطب قومه ويقول: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾. هذه المشاكلة والمشابهة بل الاستشهاد بهذا المعنى يشير إلى وحدة المسير وإلى وحدة الخط الرسالي والنبوي والإمامي في هذه الحياة.
- في موضع آخر، الإمام (عليه السلام) يستشهد بالآية المباركة في أثناء مسيره ويقول: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، مستحضراً موقف موسى بن عمران عندما خرج من المدينة القبطية ومن فتك وبطش فرعون متجهاً إلى جهة مدين؛ حيث سيلتقي بشعيب هناك. يتمثل الإمام الحسين (عليه السلام) بما قاله نبي الله موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أورد هذه الآية المباركة في خروجه.
- وفي خطبه كان كثيراً ما يكرر هذا المعنى: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً».
- وإذا كان عيسى بن مريم قد استنصر قومه في نصرته وقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يعني: من أنصاري مع الله؟ من هو الذي يناصرني في طريق الهدى؟)، نجد تردد صدى هذا الكلام في كربلاء في استنصار الحسين (عليه السلام) عندما قال: «أَلا من ناصر ينصرنا؟ ألا من ذابٍّ يذب عنا؟ ألا من مغيث...» إلى آخر كلماته (صلوات الله وسلامه عليه).
- واستشهاده بكلام جده سيد الأنبياء محمد:.
فهناك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه»، والحسين (عليه السلام) يصرح بمعلم هذا الكلام: «والله لو لم يكن لي ملجأ من الأرض لما بايعت يزيد بن معاوية». هناك: «لو يصنعون كل شيء يريدون أن يصنعوه، أنا لا أترك هذا المسير وأمضي عليه» (قول رسول الله). وهنا سبطه وابن بنته (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: «حتى لو ضاقت الأرض كلها ولم يكن هناك ملجأ فيها، أنا لا أبايع يزيد ولا أذني رأسي للذلة والبيعة معه».
وهكذا تجد مع الاستقصاء كثيراً من موارد الاستشهاد تارة، والمشابهة والمشاكلة أخرى بين الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته وبين الأنبياء والرسل السابقين.
نرجع إلى قضية الزيارة؛ الإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الزيارة المختصرة وزيارة أخرى فيها يعلمه أدب الزيارة (تلك مفصلة). يقول له أولاً الراوي في الزيارة الثانية المفصلة يسأله: «إني أريد زيارة جدك الحسين فماذا أصنع؟» وهذا يتبين -مع أن الذي يسأل هذا السؤال مثل أبي حمزة الثمالي، وهو عالم من علماء أهل البيت، له تفسير كبير للقران الكريم، وكان من أصحاب الإمام السجاد ومن أصحاب الإمام الباقر وأخيراً من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، فمرتبته مرتبة عالية- مع ذلك يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عماذا يصنع؟ يعني: ما هو أدب الزيارة المطلوب في هذا؟