في ظلال زيارة الامام الحسين زيارة وارث

في ظلال زيارة الامام الحسين زيارة وارث
00:00 --:--

ووارث كل شيء هو الله سبحانه وتعالى؛ الله يرث الأرض ومن عليها لأنه الحي الباقي الذي لا يموت، بينما كل مَن وما عدا الله يموت، ويبقى الملك للحي القيوم.

وراثة الأمور المعنوية والمناصب الإلهية

هنا زيارة وارث نُسبت إلى هذا الاسم باعتبار المطلع؛ باعتبار أن مطلعها: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله". ومن الواضح أن هذه الزيارة فيها إشارات وتنصيصات على أن الإمام الحسين (عليه السلام) وارث للأنبياء.

وهنا مسألتان:

المسألة الأولى:

أن الأمور المعنوية عادة لا تدخل في قضية الميراث؛ مثل أن والد هذا الإنسان كان عالماً، فلا يرث ابنه العلم بالضرورة، وإنما يحصل على العلم من خلال جهده وسعيه. شاعر، أديب، حليم، كريم، سمح... هذه الأمور المعنوية الغالب فيها -إن لم يكن الدائم- أنها لا تُوَرَّث كما تُورَّث الجينات من السابق إلى اللاحق، وإنما الذي يُوَرَّث هو الأمور المادية والأمور المالية إذا كان بين الطرفين قرابة معينة.

في مسألة وراثة الأنبياء، وقد استدلت بذلك سيدتنا الصديقة الزهراء (صلوات الله والسلام عليها) في مثل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ زكريا كان يطلب الولد لكي يرثه، فهذا المقصود منه هو وراثة الأشياء المادية والأموال التي هي انتقال قهري.

بينما الأمور المعنوية (العلم، المناصب الاستثنائية) لا تأتي من خلال الوراثة، وإنما هي في الغالب تعبير مجازي عن انتقال ذلك العلم. مثلاً إذا قيل: «الحسين وارث علم جده»، فالمقصود هو أنه يعلم علم جده، انتقل إليه لا على النحو الأول من الانتقال الذي يحصل في الأمور المادية (ليس انتقالاً قهرياً)، وإنما في مثل هذه الحالة منَّ اللهُ عز وجل عليه، ولطف به، واختصه. وإلا لو كان كذلك، لكان مثلاً كل أبناء الأئمة يرثون العلم، والحال أنه ليس كذلك؛ وإنما من اختصهم الله بالوصاية والإمامة. الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) -فيما يُنقل في التاريخ- عنده حوالي ١٦ ولداً، لكن الذي ورث عنه علمه هما الحسنان (سلام الله عليهما)، والباقون تفرقوا؛ بعضهم قد ورث علماً كثيراً بمعنى تعلم من أبيه، والبعض الآخر لم يتعلم شيئاً.

فلا بد أن نلاحظ أن قضية الوراثة في الأمور المعنوية والمناصب الإلهية وما شابه ذلك لا تخضع لقانون الوراثة، وإنما التعبير بها هنا إشارة إلى أنه قد حصل على كل ما كان لدى المورّث، لا أنه انتقل إليه انتقالاً قهرياً كما ينتقل المال إلى الأبناء المباشرين.

وبهذا يُجمع بين ما ورد في القرآن الكريم في مثل الآية المباركة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهو ناظر إلى الأمور المادية، و﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وهو الذي استدلت به الزهراء (عليها السلام) فيما يرتبط بأمور المال والميراث المادي، يُجمع بهذه الفكرة بين الآيات المباركات هذه وبين قول الله لإبراهيم: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ إبراهيم طلب أن تكون النبوة والاختصاص والاصطفاء الإلهي في أبنائه وذريته، فقال له الباري سبحانه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي في ذريتك من هو مصطفى ينال هذه الأشياء، ومن هو غير ذلك (ظالم، مذنب، متخلف عن التخلق بأوامر الدين) فهذا لا ينال الإمامة ولا النبوة.

بهذا المعنى نستطيع أن نجمع بين الآيتين والنمطين من الآيات المباركات.

وراثة الأنبياء بناءً على هذا المقصود منها هو أن ما كان لدى النبي من علوم، من كمالات، من موقع في الهداية، هو عند الإمام، وأن هذا لم ينتقل إليه بالوراثة النسبية؛ فنحن نعلم مثلاً أن بين آدم وبين الحسين آلاف السنين، وأبناؤه المباشرون -إذا كان المفروض أن يكون أمراً وراثياً- هم الذين يرثون ذلك. وإنما المقصود منه أن ما كان لدى آدم من العلوم والميزات والصفات والخصائص قد انتقل وصار وعَلِمَهُ الحسينُ (عليه السلام) كما سيأتي الحديث بعد ذلك، وهكذا الحال في سائر الأنبياء.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة