في ظلال زيارة الإمام الحسين: زيارة وارث
بسم الله الرحمن الرحيم.
عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) للمفضل: «كم بينك وبين قبر الحسين؟» قلت: بلى -بأبي أنت وأمي- يوم وبعض يوم آخر. قال: «فتزوره؟» قال: نعم، قال: «ألا أبشرك؟ ألا أفرحك ببعض ثوابه؟» قلت: بلى، جعلت فداك. قال: «إن الرجل منكم ليأخذ في جهازه ويتهيأ لزيارته فيتباشر به أهل السماء، فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً، وكَّلَ اللهُ به أربعة آلاف مَلَكٍ من الملائكة يصلون عليه حتى يوافي قبر الحسين (عليه السلام)».
تحدثنا في ليلة مضت عن بعض ما لزوار الحسين (عليه السلام) من الثواب والأجر، وتوسعنا قليلاً في الروايات التي تقول إن زيارة الحسين تعدل حجة وعمرة، بل حجات وعمرات. وحيث إن هذه القضية عادة يثيرها بعض المخالفين للمذهب، أجبنا بإجابات مفصلة عليها في ليلة مضت.
هذه الليلة نتحدث عن شيء مما يوضح الزيارة المشهورة المأثورة المروية بأكثر من سند للإمام الحسين (عليه السلام)، وهي المعروفة بـ «زيارة وارث».
زيارة وارث ذكرها الفقيه الأقدم جعفر بن محمد بن قولويه القمي (المتوفى سنة ٣٦٨ هـ)، والذي هو من تلامذة الشيخ الكليني (أعلى الله مقامهما)، ومن أساتذة الشيخ المفيد شيخ الطائفة محمد بن النعمان العكبري (رضوان الله تعالى عليه). ويعتبر كتابه -كما ذكرنا في ليالٍ مضت- من الأصول التي يتم الاعتماد عليها في موضوعها، بل في غير موضوعها أيضاً؛ حيث إن بعض العلماء ذهب إلى وثاقة كل من ورد اسمه في هذا الكتاب من الرواة، نظراً لتنصيص المؤلف في مقدمة كتابه على أنه إنما ينقل الروايات عن الثقات إلى الأئمة الهداة، وهذا حديث قد مضى.
هذه الزيارة المباركة بعنوان «زيارة وارث» وردت في هذا الكتاب أكثر من مرة:
- تارة يرويها جابر الجعفي مباشرة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
- وأخرى يرويها أبو حمزة الثمالي عن الصادق (عليه السلام).
وإحداهما -وهي التي سنتحدث عنها هذه الليلة وربما الليلة القادمة- هي زيارة وارث المختصرة، والزيارة الأخرى زيارة مفصلة وطويلة، وهي أيضاً تبدأ بنفس بداية: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله..." إلى آخره، وعرفت بزيارة وارث.
هناك زيارتان أيضاً يُزار بهما أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعنوان «زيارة وارث»:
- إحداهما لأمير المؤمنين (عليه السلام).
- والثانية للإمام الرضا (عليه السلام).
إلا أن بعض العلماء يقولون إن هاتين الزيارتين وجدتا في بعض كتب الأقدمين، فهذا يعني أن سندهما غير معلوم عندنا، وبالتالي الاعتماد الأكبر إنما هو على زيارة وارث التي يُقصد بها الإمام الحسين (عليه السلام)؛ حيث إنها وردت في هذا الكتاب (كامل الزيارات) بأكثر من سند، وجرى عليها العلماء، وعُرفت بزيارة وارث.
الوارث الأصلي هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه الباقي بعد كل خلقه. والوارث في اللغة العربية هو الذي يكون باقياً بعد موت من يتقدمه، فينقل ميراثه وأملاكه إليه. إنسان والده يتوفى وهو باقٍ على قيد الحياة، فهذا يسمى وارثاً؛ لأنه باقٍ بعد حياة أبيه، وينتقل المال الذي كان لأبيه بحسب حصته ونسبته انتقالاً قهرياً بحكم الشرع. لا يستطيع مثلاً الأب -وهو المورث- أن يقول مثلاً: «احجبوا المال عن ابني فلان لأنني غاضب منه»، أو «لا ترث ابنتي من أموالي لأن هذا المال سيذهب مثلاً إلى زوجها ويخرج من أسرتنا»، هذا لا يستطيع أي مورّث أن يصنعه، وقصارى ما يستطيع أن يتحكم فيه هو مقدار الثلث؛ لو أوصى بحجب الثلث فلا مشكلة، لو أوصى بأن يُعطى الثلث لواحد من الأولاد دون الباقين فله حق ذلك أيضاً. وأما أصل الميراث، فهو انتقال قهري من المورث إلى ورثته على وفق الحكم الشرعي الذي جاءت أحكامه في الكتاب الكريم وفي سنة النبي محمد.