فهذا الكلام لا يمكن أن يصدر من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله أو امثالهم، فهم بصعوبة يستطيعون فهم ظواهر القرآن، فلا يمكنهم فهم هذه المطالب العقلية الراقية. خصوصاً ونحن نتحدث عن السنة العاشرة للهجرة، فبعض العلماء يقولون نفس هذا المباحث ونفس هذه المعاني ونفس هذه المضامين العقائدية العالية، هي دليل بنفسه على أن هذا الكلام لا يصدر إلا من آل محمد صلوات الله عليهم.
الزهراء عليها السلام توضح في خطبتها فلسفة التشريع الاسلامي:
ومن ذلك أيضا كلامها سلام الله عليها في مقاصد التشريع الإلهي، الله سبحانه وتعالى شرع تشريعات الهدف منها تصاعد وتكامل الانسان العامل بها الى الدرجات العالية، فلو خلق الانسان ثم أهمله عن التكليف لصار حاله حال سائر الحيوانات، يجري وراء شهواته واهوائه ويتسافل، لكن الله سبحانه وتعالى جعل له سلم للصعود والتكامل، وذلك عبر برنامج تشريعي من العبادات والمعاملات. هذا البرنامج التشريعي لم يأتي عبثاً وإنما كل تشريع وكل أمر ونهي، يهدف للوصول منه إلى غرض من الاغراض، فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر.
الايمان بالله عز وجل ، يذكر بعض الباحثين حول هذه الجملة فيقول - وهو كلام دقيق وجيد - أن بعض الفئات من المسلمين دائماً تتكلم عن العقيدة، لا سيما من قبل المدرسة السلفية فهي دائماً تتحدث عن العقيدة بينما ـ يقول هذا الباحث ـ اساساً كلمة العقيدة لم تأت في القرآن الكريم بهذا النحو الذي يعظمه هؤلاء، لا يوجد شيئ في القرآن الكريم كلمة العقيدة وعقائد واعتقادات، فالموجود في القرآن الكريم هو الإيمان، المفردات: مفردة آمن، يؤمن، يؤمنون، المؤمنون، المؤمنات وما يرتبط بها ما يقارب من ٨٠٠ مورد جاءت في القرآن الكريم حيث ورد هذا الفعل بمشتقاته.
بينما في كلمة العقيدة لم توجد في القرآن الكريم، فإذا أنتم تقولون أنكم تتبعون السلف وتستخدمون مفردات السلف، فالمفروض تقولون إيمان ولا تقولون عقيدة، تتحدثون عن الإيمان والمؤمن وما يرتبط بها، لكنكم متمسكون بموضوع العقيدة، فهذا أول شيء يخالف السلف فالمفروض يُرجع فيه إلى الاصول، فأنتم في هنا في أول خطوة هنا لم تقوموا بذلك. فهنا الزهراء عليها السلام تقول فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك. وهذه المدرسة لا تقول إيمان تقول عقيدة، عقيدة التوحيد بينما المفروض الاستخدام الصحيح هو استخدام الإيمان.
وجعل الصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر وهكذا بالنسبة إلى سائر العبادات كل أمر من الأوامر، وكل نهي من النواهي له غرض وغاية ومقصد يتعقبه.
( والزكاة تزكية للنفس )
نظراً لأن الإنسان عندما يخرج الزكاة يخرج من جيبه جزءاً من مجهوده، جزءاً من حياته، فهذا المال الذي تَحصّله كيف جاءه؟ هو لم يأتك من السماء، وإنما عملت وبذلت جهداً ووقتاً وجزءاً من عمرك ذهب في مقابله، بمعنى أنت حينما تذهب إلى العمل لمدة مدة شهر كامل مثلاً وتأخذ عليه راتب، هذا الراتب في الواقع جزءٌ منه استهلاك عمرك، فعندما تخرج زكاة هذا المال فأنت في الواقع تخرج حقا لله سبحانه وتعالى.
فالزكاة هنا تشمل سائر الحقوق الشرعية كالزكاة المستحبة والزكاة الواجبة والخمس، وما يرتبط بكل إنفاق مالي أوجبه أو ندبه الله سبحانه وتعالى، فأنت في الواقع تعطي جزءاً من حياتك ووقتك وجهدك، وهذا يؤدي إلى أن نفسك تتزكى، يعني أنت لو تتصور هذا التصور البسيط تأخذ كفك وتعطيها إلى فقير فهذا شيء في غاية السمو، لكن هذا غير مطلوب منك، (تزكية للنفس ونماء للرزق )، ﻷن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى وكلما أعطيت ربك أو في سبيل ربك أعطاك الله سبحانه وتعالى .