مقاصد التشريع الأسلامي في خطبة الزهراء

   من جملة ما ذكر علماؤنا أن فقرات هذه الخطبة هي دليل على انتسابها إلى فاطمة الزهراء عليها السلام، ﻷن هذه المعاني وهذا السبك البلاغي العالي لا يتيسر إلا لمن أخذ من معدن النبوة المحمدية على صاحبها آلاف التحية والسلام ، والذي لا يستقي من ذلك المنبع لا يستطيع أن يتكلم بهذا المقدار من المعاني وبهذا النمط الراقي من البلاغة، ولذلك عندما أتى شخص من غير علماء الشيعة وهو أحمد بن أبي الطاهر وهو معروف بإبن طيفور البغدادي المتوفى سنة ٢٨٠ هـ والذي لديه كتاب اسمه بلاغات النساء ، حيث انتخب فيه أبدع وابلغ ما ألقته النساء المسلمات من كلمات بلاغية، وهو ليس في صدد الحديث العقائدي وإنما في صدد الحديث عن أفضل الخطب والنصوص البلاغية والأدبية من قبل النساء حيث أثبت من خلاله خطبة الزهراء عليها السلام وهو ليس شيعياً.

   فهذه الخطبة قطعة بليغة في غاية درجات البلاغة، كما أنها تحتوي على مضامين عالية وشاملة، لا تجده في خطاب آخر، إضافة إلى ذلك أنها قيلت على سبيل الارتجال وهذا أمر من الأمور المهمة، فكما يقولون أن الارتجال مقبرة الأفكار، فلو طلبت من أحد أن يرتجل ومن غير سابق إعداد، أن يتكلم عن موضوع الإرث في الإسلام مثلاً، فحتى لو كان فقيهاً متمكناً، فإنه سوف يتعثر ولا يستجمع كل أفكره بخلاف ما إذا كان قد أعد نفسه لذلك.

(الممتنع من الأبصار رؤيته ومن الألسن صفته ومن الأوهام كيفيته)

   فاطمة الزهراء عليها السلام في خضم هذه الظروف الصعبة، جاءت وألقت هذه الخطبة والتي تضمنت بحثاً عقائدياً عميقاً، فمثلاً في علم العقائد تلاحظ هذه الألفاظ الثلاثة التي تحدثت فيها ( الممتنع من الأبصار رؤيته - تقصد الله سبحانه وتعالى - ومن الألسن صفته ومن الأوهام كيفيته )، لماذا ذكرت هذه المراحل الثلاث؟ الامتناع في مرحلة الرؤية والامتناع في مرحلة الصفة اللسانية والامتناع حتى في مرحلة التصور الداخلي والعقلي. وأيضاً لماذا عندما قالت ( ابتدع الأشياء ) قالت ( لا من شيء كان قبلها ) ولم تقل ( من لا شيء كان قبلها )، نحن عادة نقول الله تعالى خلق الأشياء من لا شيء، لماذا لم تقل الزهراء من لا شيء إنما قالت (ابتدع الاشياء لا من شيء)؟.

   نحن نقول خلق الأشياء من العدم، وفاطمة الزهراء لا تقول ذلك وإنما تقول ابتدع الأشياء لا من شيء، وهناك فرق كبير جداً. لماذا الزهراء عليها السلام أتت بالأشياء الثلاثة الأخرى وصورها بلا احتذاء لأمثلة امتثلها من غير حاجة إلى تكوينها، ولا فائدة في تصويرها لله عز وجل، حتى يقولون أفعال الانسان تختلف عن أفعال الله، فأفعال الانسان مربوطة بأن تكون ذات سبب، فلو أراد أن يصنع شيئاً يلزمه أن تجتمع فيه ثلاثة أشياء مثلاً أن يبني بيتا فهناك ثلاثة أشياء مطلوبة: أولا الغرض والسبب، لابد أن يكون هذا العمل له فائدة وإلا عادة لا    يقوم الإنسان الحكيم بشيء غير مفيد له، إما فائدة دنيوية أو أخروية أو حتى لدفع الضرر. هناك أيضاً مواد أولية مطلوبة لصناعة شيئ ما، مثلا تريد أن تبني بيت لا بد من تحضير وإعداد هذه المواد، إضافة إلى ذلك لابد أن يكون في ذهنه مثال، خريطة ، نموذج، أو تحسين وتطوير لنموذج موجود .

   فالله سبحانه وتعالى في خلق الكون، وهذه الأمور الثلاثة لم تكن موجودة أصلاً، لا فائدة له في ذلك. فالله تعالى لا يستفيد ولا ينتفع من خلق هذا الكون بشيء، وأيضاً ليس هناك مثال أو نموذج أو خريطة فصور هذا الكون أو خلق الأرض أو الإنسان على ضوئه ، وليس هناك أيضاً مواد أولية لإعدادها ( لا من شيء كان قبلها) .

مشاركة عبر:
الملفات المرفقة
مقاصد التشريع الأسلامي في خطبة الزهراء
قاصد التشريع الأسلامي في خطبة الزهراء 0.00 MB 4,463
تحميل الملف
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة