دور المنبر في المجتمع الشيعي

2. التطرف في الطرح الطائفي:

ومنها: التوجه الحاد في الطرح (الطائفي) السلبي:

ولأن هذه القضية ذات أهمية خاصة فإن من المناسب أن نوضحها ضمن النقاط التالية:

1. لا يرتاب أحد في أن من أهم القضايا التي يعتمد عليها المنبر هو تشكيل وتقوية الولاء، والانتماء إلى منهج أهل البيت﵈ فإن هذا من مقومات (إحياء الأمر)، وبدونه لا يكون للمنبر الحسيني خصوصية على غيره من المنابر الإعلامية الأخرى، بل يمكن القول: إنه بدونه يفقد رسالته الأساسية.

2. إن طريقة تشكيل الولاء والانتماء لمنهج أهل البيت﵈ لها من الأهمية ما للأصل، بحيث يبدو أحياناً أنه مع استخدام أحدهم طريقة غير مناسبة يكون من الأجدى تركه الدعوةَ والتبليغ بمنهجهم، كما يستفاد ذلك من بعض الروايات، فقد يكون إنسان بطريقته شَيْناً على أهل البيت ويؤدي عكس الغرض المطلوب. ويكون من المناسب حينئذ أن (يكف عن دعوة الناس لهذا الأمر).

3. إن الحكمة تقتضي أن يأخذ المتكلم بنظره ظروف الزمان والمكان الذي يعيش فيه والأشخاص الذين يستمعون إليه، أو يصل إليهم في العادة صوته، وهذا مما يستفاد من أوامر التقية التي هي (نصف الدين)313، بل هي الدين314 ـ أي الطريقة والمنهاج ـ. ولذلك فإن ما يكون مناسباً في مكان قد يكون ضارًّا في مكان آخر، وما يكون واجباً مع قوم يكون حراماً مع آخرين فـ «ما كل ما يُعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله»315.

ولذلك فإن الحديث العنيف الحاد ضد بعض طوائف المسلمين ـ بالرغم من أن بعض أولئك يصنعونه ـ ليس مما ينفع منهج أهل البيت﵈.

وليس معنى ذلك أن يُمدح الباطل، ويُمجد الخلل، وإنما يناقشون مناقشةً هادئة هادفة في الأفكار وبيان ما فيها من نقاط الالتقاء والافتراق، وبيان الخلل والخطأ الموجود فيها. ويستفاد هذا من كلام أمير المؤمنين﵈ القائل لأصحابه: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»316. فإنه﵇ مع كونه مع أهل الشام في حالة حرب، وهي أشد الحالات عنفاً بين فريقين، وما دونها من السب أو الشتم يعتبر هينا بالقياس إليها، ولكن الإمام في ذلك الوضع يحرص على الجانب الأخلاقي ويجنب أصحابه الآثار السيئة للشتم والسب. فإن ذكر الصفات غير الحسنة كانعدام الوعي والطاعة في الباطل، وغيرها مما كان موجودا في أهل الشام يصنع حصانة عند الطرف الناقد من الوقوع فيه عادة. وفي نفس الوقت الدعوة إلى أن تحقن دماء الفريقين، وسؤال: الله لهم الهداية من الضلال يرفع الإنسان الداعي إلى قيم مناقبية عالية.

4. إن من السهل على المتكلم أن يفرغ مخزونه النفسي ضد هذه الجهة أو تلك، جماعة كانت أو طائفة أو مذهبا، ولكن السؤال: هو عن حجم الآثار الاجتماعية التي يخلقها مثل ذلك السلوك. وفي المجتمعات الخليطة ذات المذاهب المتعددة، والطوائف المختلفة يبدو أن مثل هذا الأمر ينذر بحدوث الكوارث الداخلية، فإن (الحرب أولها الكلام) والتعبئة التي تقابلها تعبئة مضادة إلى أن تنتهي إلى الاصطدام.