دور المنبر في المجتمع الشيعي

يتعمد بعض الخطباء في منابرهم الحديث عن بعض القضايا غير المألوفة في المسألة العقائدية، فتراهم أولا: يوردون ما هو غير مشهور بين الطائفة من الآراء والمفاهيم، مستفيدين من كونها لم تسمع قبلئذٍ إلا نادرا. وأن مواضيعهم غير مكررة ولا مسموعة.

وأحياناً يجر الأمر إلى ذكر بعض الآراء النادرة، التي يصعب تحملها على أكثر المستمعين بل ربما كانت بالنسبة لهم عامل فتنة، وخبطاً فكرياً. ولا سيما عندما يكون الحديث عن مقامات أهل البيت﵈ العالية، ومنازلهم السامية فإن بعضها (أو الكثير منها) يرتفع عن مستوى الكثير من المستمعين. وهذه الأفكار بحلقات الدروس الخاصة لمجاميع ذوي مستويات عالية متقاربة أنسب منها بالمجالس والمنابر الحسينية العامة التي يحضرها ذوو مستويات مختلفة ارتفاعاً وهبوطاً وهذا التوجه قد يكون ناتجاً عن عدم التقدير، وفقدان الحكمة في مخاطبة الجمهور بالنحو الذي يستوعبه، وبالمقدار الذي ينفعه.

لقد وجّه رسول الله﵌ وأئمة الهدى﵈ إلى أن يتكلم المتكلم بمقدار ما يكون قابلاً للمعرفة والتعقل، من قِبَلِ المستمعين وإلا كان لهم فتنة وأذى، ففي الحديث عن رسول الله﵌ 318: «لا تحدّثوا أمتي من أحاديثي إلاّ بما تحمله عقولهم».

وعنه﵌: «أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»319. ويُبيّن الأثر السلبي الناتج عن الحديث بما هو (مستصعب الفهم) فيقول: «ما أنت محدّث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة»320.

وفي الحديث عن أمير المؤمنين علي﵇: «أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! حدثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عما ينكرون»321.

ومع أن الحديث في التوحيد مهم باعتبار أنه قاعدة الإيمان الأساسية إلا أن النبي﵌ ينهى عن الحديث في هذا الجانب بما يشق على الناس فهمه: «إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم».

ويرى الإمام الصادق﵇ ـ وهو الذي أظهر علوم آل البيت﵈ ونشرها بين الناس ـ أن مذيع الحديث عند من لا يحتمله ولا يتعقله يساوي الشاتم أعراضهم والمحارب لهم؛ فقد قال أبو عبد الله﵇: «أقرئ موالينا السلام، وأعلمهم أن يجعلوا حديثنا في حصون حصينة، وصدور فقيهة، وأحلام رزينة، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما الشاتم لنا عرضاً والناصب لنا حرباً، بأشد مؤنة من المذيع علينا حديثنا عند من لا يحتمله»322.

وهذا الكلام المتقدّم ليس دعوة للتسطيح، وتحويل المنبر إلى (سوالف) وقوالب مكررة ومعادة. وإنما ـ كما ذكر الإمام﵇ ـ أن يجعل الحديث في حصون حصينة، وصدور فقيهة وأحلام رزينة.. وفي ذلك توجيه مهم مؤداه أن يُجعل الحديث المناسب في موضعه.

وإن من المطلوب تعميق الخطاب المنبري وتطويره موضوعاً، وقد سبق الحديث عن هذا الجانب في القسم الثاني من هذا الكتاب، خصوصاً مع ارتقاء مستوى المستمعين، واعتماد الكثير منهم على المنبر بوصفه قناة أساسية يتلقون منها ثقافتهم الدينية في مختلف مجالاتها.. هذا شيء، وأن ينزع الإنسان إلى الغرائب من الملاحظات والشواذ من الأفكار، والغامض من الآراء.. شيءٌ آخر.

ونحن نحمد الله أنّ ما سبق لا يشكل سوى حالات قليلة، لا يقاس عليها، ولم يتحول إلى ظاهرة.

الهوامش

  1. 300. العجيب أن القندوزي في ينابيع المودة ج 3 قد نقل الحادثة عن أبي مخنف كما يفترض لكن مع شيء من التغيير، أنهم حفروا بئرا، فصادفتهم صخرة ثم أخرى فصادفتهم صخرة أخرى كذلك، فقال لأخيه امض قال له: « امض الى الفرات وآتينا الماء «، فقال: « سمعا وطاعة «، فضم إليه الرجال، فمنعهم جيش عمر بن سعد، فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الأعداء حتى كشفهم عن المشرعة، ودفعهم عنها، ونزل فملا القربة، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته فنفض الماء من يده وقال: « والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين « وأنشأ يقول... إلخ.. يقول ضم إليه الرجال مع أنه في هذه الحملة لم يكن مع الحسين غير أبي الفضل كما تذكر الروايات التاريخية، ولعل القندوزي اشتبه عليه الأمر بين الحملة الأولى التي تمت في اليوم السابع حيث كان مع العباس عدد من الرجال وانتهت بأن جلبوا الماء للمخيم،وبين الثانية التي كان فيها وحده واستشهد على إثرها.
  2. 301. مقتل الحسين ﵇ ـ أبو مخنف الازدي ص 179.
  3. 302. إننا نجد حتى الذين يقفون في طرف المنافسة أو العداء، لا يملكون أنفسهم من الاعجاب بمواقف أهل البيت في كربلاء، فهذا مصعب بن الزبير، كما قيل لما أراد قتال عبد الملك بن مروان، بلغ الحائر فوقف على قبر الحسين فقال: يا أبا عبد الله أما والله لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك، ثم قال:
  4. 303. الطبري 4/ 321.. الغريب أن الطبري ينقل هذه الرواية وقد نقل قبلها رواية عمار الدهني التي فيها أنهم كانوا قرابة المئة وخمسة وأربعين !!
  5. 304. قصة كربلاء / 421 لحجة الإسلام نظري منفرد، نقلا عن (حياة أبي عبد الله) لعماد زاده.
  6. 305. الطبري ج 4 ص 292 والرواية التي اعتمد عليها الطبري في أكثر من موضع، فيها أكثر من موضع حصل فيه الخبط بما لا يمكن قبوله. هذا مع غض النظر عن الجهة السندية.
  7. 306. أنصار الحسين: الرجال والدلالات 49 ونرى أن المؤلف قد بذل جهدا رائعا في الكتاب لتحديد العدد، ودلالاته، والكتاب حري بأن يقرأ.
  8. 307. وقد كان بإمكان الشيخ شمس الدين أن يستفيد من ذلك الكتاب الذي حققه السيد الحسيني في تدعيم النتيجة التي توصل إليها، بشكل جيد، ولكنه نظرا لأن كتاب انصار الحسين قد طبع قبل نشر كتاب الفضيل بن الزبير الأسدي، الذي تم تحقيقه وإخراجه في مجلة تراثنا سنة 1406هـ.
  9. 308. نشر في مجلة تراثنا عدد 2 / عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  10. 309. الشيخ عباس بن محمد القمي (1294 1359هـ) واعظ مجيد، وكاتب مكثر، ومحدث خبير، تتلمذ في الغالب على أستاذه الشيخ حسين النوري الطبرسي صاحب المستدرك، له ما يقارب من 60 مصنفا. منها في السيرة مثل كحل البصر في سيرة خير البشر، ومنتهى الآمال في سيرة المعصومين، ونفس المهموم ونفثة المصدور في مقتل الحسين، وفي الدعاء له الكتاب المشهور: مفاتيح الجنان،.. وكتب أخرى متنوعة.
  11. 310. الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الهمذاني الحارثي: (953 ـ 1031 ه‍)، بهاء الدين: عالم أديب إمامي، من الشعراء. ولد ببعلبك، وانتقل به أبوه إلى إيران. ورحل رحلة واسعة، ونزل بأصفهان فولاه سلطانها (شاه عباس) رياسة العلماء، فأقام مدة ثم تحول إلى مصر. وزار القدس ودمشق وحلب وعاد إلى أصفهان، فتوفي فيها.. الأعلام ـ خيرالدين الزركلي ج 6 ص 102.
  12. 311. ذكره في الكنى والألقاب، قال: مجدد المذهب على رأس المائة الحادية عشر، انتهت إليه رئاسة المذهب والملة له تصنيفات وتأليفات متعددة، منها حبل المتين، ومشرق الشمسين والاربعين، والجامع العباسي، والكشكول، والمخلاة، والعروة الوثقى، ونان وحلوا والزبدة، والصمدية، وخلاصة الحساب، وتشريح الافلاك، والرسالة الهلالية، ومفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، و الاثنى عشريات، والتهذيب، والحواشي على الفقيه وعلى خلاصة الرجال، وعلى الكشاف والبيضاوي وغير ها.
  13. 312. على أحد الرأيين في أنها هي المطلوبة. وهناك رأي آخر يشير إلى أنها فاطمة بنت الحسين.
  14. 313. نشير في هذا المجال إلى أن زهير بن القين كان خارج الكوفة، وكان معه زوجته دلهم (ديلم) بنت عمرو، وكان لها دور في تشجيعه على الالتحاق بالحسين، وعندما علم بأنه ذاهب للشهادة، وكل بها من يردها إلى أهلها.
  15. 314. وسيلة الدارين صفحة 52.
  16. 315. ربما يكون لنا وقفة لمناقشة الراوية التي تنقل كيفية خروج الحسين﵇ من المدينة، في هذا القسم أو تاليه.
  17. 316. معالي السبطين 2/226.
  18. 317. المغيرة بن نوفل بن الحارث من أصحاب أمير المؤمنين﵇، والحسن، له مع معاوية مناظرات في الدفاع عن أهل البيت﵈، وكان سريع البديهة حديد اللسان، كان مع الامام الحسين﵇ في خروجه، وأصابه مرض في الطريق فعزم عليه الحسين أن يرجع، فرجع.. ولما بلغه قتل الحسين﵇، رثاه. عن تهذيب المقال /2 للسيد محمد علي الأبطحي.
  19. 318. سير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 321.
  20. 319. وسائل الشيعة 19 / 373.. وتراجع ترجمتها في كتاب (نساء حول أهل البيت) للمؤلف.
  21. 320. مستدرك الوسائل 15 / 474.
  22. 321. نعم يمكن استصحاب بقائهن إلى ذلك الوقت، لكن لا يمكن به إثبات سفرهن، باعتبار أنه من اللوازم العادية لوجودهن في تلك الأجواء.
  23. 322. ذكر ذلك الشوكاني في نيل الأوطار ج 6، والبيهقي في السنن الكبرى ج 7، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج 8.