والحقيقة أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الحالة المبدئية ولزوم التمسك بالمعتقدات، وبين الحالة النفسية التي تفيض بمخزونها، وتصطنع الحرب. فلا أحد يدعو ـ ولو دعا لا يستجاب له ـ إلى أن تترك المعتقدات، أو يتخلى عنها، ولكن أن يفصل بين المسألة المبدئية، والشخصية، وأن تلاحظ الدعوة إلى الحق بمقدار ما تلاحظ طريقة ذلك، وأن يؤخذ بعين النظر الوضع الاجتماعي زماناً ومكاناً وأشخاصاً. ونعود ونكرر لا يعني ذلك التخلي عن المسلمات الاعتقادية، ولا يعني أيضاً تمييع الفواصل الحقيقية، لأجل ملاحظات اجتماعية وإنما يعني أن يلتزم المتكلم الحكمة في تبيين الأمور العقدية، فيناقش بهدوء، ويرد بحكمة، ويوجه بتعقل. ولعلنا نتبيّن مثل هذا أيام الإمام الصادق﵇ حيث نهى البعض من أصحابه317 عن الكلام والخوض في المناظرات العقائدية لأنهم لا يحسنون ذلك، ولا يستطيعون «أن يطيروا لو قصوهم» مع أنهم كانوا أكثر حماساً من غيرهم في هذا الأمر. بينما يأمر آخرين كـ(أبان بن تغلب) أن «جالس أهل المدينة فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك».
3. طغيان الجانب السياسي:
ومنها: طغيان الجانب السياسي في بعض المنابر:
لا شك أن المنابر الحسينية قد قامت بدور كبير في حياة الناس عندما اقتربت من مشاكلهم وقضاياهم، بعدما كانت محصورة في فترة من الفترات في إطار الرثاء والتعزية أو السيرة، لكن لما بدأ الخطباء يعالجون القضايا الاجتماعية، ويتطرقون إلى الهموم العامة، موجهين إلى ما يفهمونه من رؤية الإسلام فيها، فقد اكتسب المنبر الحسيني قوة إضافية، وارتبطت جموع كثيرة به لكونه يعبر عن مشاكلها ويعينهم على تكوين نظرة سليمة لحلها.
لكن يُلحظ في بعض المناطق من عالمنا الشيعي أن هناك تسييساً كبيراً للمنبر، بحيث يبدو الخطاب فيه وكأنه لا يختلف كثيرا عما يسمع في الفضائيات، أو يقرأ في الجرائد والمجلات.
وأحسب ـ والله العالم ـ أن تطور الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي من ثورات وحركات تحرر وأعمال مقاومة وغيرها لما أثر على مجمل الحياة الإسلامية فقد أثر أيضاً على المنبر ونوعية الخطاب فيه، وفي بعض الحالات تجاوز التأثير الحدود المناسبة إلى ما هو أكثر.
كما أن كون بعض المتصدّين للمنبر الحسيني جزءاً من ذلك الحراك السياسي العام جعل من الطبيعي أن ينعكس وضعهم السياسي على خطابهم المنبري.
هذا إضافة إلى بعض عناصر الجذب والإثارة التي تترافق عادة مع (المنبر السياسي لو صح تسميته) والتي تستقطب شرائح من المجتمع، وتجعل الخطاب مع وجودها، شيّقاً ومثيراً ومعاصراً.
ونحن نخالف حذف هذا الجانب المعاصر من الخطاب بالكامل، لأسباب كثيرة، منها أن توجيه المجتمع في حركته السياسية مسؤولية مهمة ينبغي أن يضطلع بها العلماء والمصلحون، وأن لا يترك الناس هَمَلاً يوجههم الفاسدون أو تتلاعب بهم التيارات الخاطئة.
كما أن حياة أبناء المجتمع اليوم لم تعد ـ حتى في تفاصيلها الصغيرة ـ بعيدة عن الجانب السياسي، فمن الضروري أن يكون لديهم رؤية واضحة في المسألة العقدية، والثقافية، والسياسية أيضاً.
إلا أننا أيضاً لا نرى الإغراق فيه أو الإكثار منه، بحيث يشعر المستمع أنه لا يعيش أجواء المنبر الحسيني.
كما أن تناول هذا الجانب ليس من الصحيح أن يكون شرعة لكل وارد. فقد يكون تناول هذه القضايا ـ التي هي أيضاً تحتاج إلى دقة كافية ـ من شخص معيّن مقبولاً وطبيعياً، بخلاف غيره من المتكلمين.