دور المنبر في المجتمع الشيعي

دور المنبر في المجتمع الشيعي

يشبه دور الخطيب في إرشاده وتعليمه وتوجيهه، دور الرسل ـ مع حفظ الفرق ـ.

فدور المرسلين كان يبدأ بأمر الله سبحانه لهم (قل) و (بلغ) مختصرا ما الذي يمكن للرسول أن يصنعه بالنسبة للمجتمع الذي بعث إليه، ويبين الأنبياء﵈ وظيفتهم كما في القرآن الكريم أنهم يدعون منطلقين من رؤية البصيرة التي هم عليها {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}300. وفي آية أخرى أنه يبلغ وينصح من موقع العلم والمعرفة الإلهية {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}301.

وهم في ذلك لا يملكون طريقا لإجبار الخلق على الإيمان مع أن الإيمان في صالحهم وأن الجهد الذي يبذل هو من أجلهم، لكنهم لا يستطيعون شيئا، أكثر من الإقناع (بالحكمة والموعظة الحسنة) والخطاب العقلي مقرونا بشيء كثير من الشفقة والنصح والإخلاص {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}302.

ولأن الأمر كذلك فالتأثير ليس حتميا ولا شاملا، فقد يكون وقد لا يكون، وحيث يكون قد يؤمن به البعض ويكفر به الكثير، وليس هذا بسبب تقاعس الرسل عن الدعوة فإنهم {يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ}، ولا هو في ضعف المفاهيم والتوجيهات التي يأتي بها الأنبياء {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}303. ولهذا فقد جاءت الآيات البينات تعزي المرسلين، وتواسيهم متوقعة عدم إيمان قسم من الناس برسالاتهم، وأنهم لو صنعوا ذلك فلا يضير الرسولَ توليهم وعنادُهم، وأن الأجيال الآتية هي التي ستؤمن بالرسالة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}304. وما ذلك إلا لأن مهمة الرسل هي مهمة البلاغ المبين والبلاغ بمثابة البذرة التي قد تجد أرضا صالحة فتنتج وقد تصادف السبخة أو الصفا فلا تزرع. وحينئذ {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}؟305

وفي حدود هذا المقدار نعتقد أن المنبر الحسيني قد أدى دورا طيبا في المجتمع الشيعي منذ أن تبلور كوسيلة من الوسائل التبليغية، انحصر فيها التبليغ في بعض الفترات، وبعض الأماكن.

وذلك أن المجتمع الشيعي ظل لفترات طويلة في التاريخ، وفي أنحاء كثيرة من الأرض، محكوما وربما ينظر إليه بنظرة عدائية من قبل الحكومات، فكان أن فقد وسائل التأثير والخطاب العام، مثلما كان في تلك الأزمنة، (كخطب المساجد والجمعة والأعياد، بل وحتى مثل حلقات الدروس الرئيسة في المدارس الدينية وغيرها)، وكانت هذه المواقع تبين وجهات النظر غير المتفقة مع منهج أهل البيت﵈ لو لم تكن في أحيان كثيرة تهاجم التشيع والفكر التابع لأهل البيت.

ووُجد المنبر الحسيني ضمن توجيه أئمة أهل البيت﵈ مصداقاً من مصاديق إحياء أمرهم، ونشر أفكارهم، وتبليغ معارفهم ومحاسن كلامهم لشيعتهم ولغيرهم، فإن في تلك المعارف والثقافة ما لو اطلع عليه عامة المسلمين لآمنوا بمنهج أهل البيت وطريقتهم306.

نعم ربما يوجه لبعض المنابر في الفترة الأخيرة ملاحظات:

1. الإغراق في الغيبي:

منها: إغراق البعض في الجوانب المرتبطة بما هو غير مشهود.

بل ربما تم التطرف في ذلك فأصبح من الأدلة على ما يورده الخطيب من قضايا ثقافية أو عقائدية، عدد من المنامات التي رآها العالم الفلاني، والزاهد الفلاني. أو بعض المكاشفات العرفانية التي تحصل للبعض!!

وهذا يعتبر في نظر كثير من المحققين والمفكرين، اتجاها غير سليم. فإن هناك فرقا بين الإيمان بالغيب وهو جزء أصيل من عقيدتنا الدينية، تحدث عنه القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وبين الاستناد على المنامات والرؤى أو المكاشفات في العقائد، والأفكار.

وجهة الإشكال في هذا التوجه:

أ ـ إن المنام ليس بحجة شرعية في فروع المسائل فما ظنك في أصول العقائد؟ إن العلماء عندما يسمعون بفكرة أو برأي يرجعون إلى مستنده ودليله ويحققون ذلك الدليل ويناقشونه، ويتبينون مواضع الصواب والخلل فيه. أفترى هؤلاء يسلّمون لمنام رآه أحدهم ضمن تأييد فكرته؟

ب ـ أن بإمكان كل طرف من المتخالفين في الفكر أن يؤيد نظريته بمنام يراه، وليس كل من يدعي المنام المؤيد لفكرته هو كاذب، بل ربما يكون صادقا في ذلك.. وسره أن الإنسان يتفاعل مع ما يعتقده من أفكار فيجيء منامه ورؤياه متوافقا مع ذلك الاعتقاد. وربما دخلت المزايدات المذهبية ومحاولات تأييد الخط المذهبي على الخط فتجاوزت الحدود المعقولة، مثلما زعم بعضهم أن أحد أئمة المذاهب الأربعة كان يرى رسول الله في كل ليلة طوال العام!! ولما رأى جماعة مذهب آخر أن ذلك يمكن أن يكون دليلا على حقية مذهب الأولين أرادوا تأييد مذهبهم أيضاً بالرؤيا والمنام، فزعم بعض هؤلاء أن علماء مذهبهم307 قد رأوا الله ذاته (سبحانه وتنزه!!) في المنام وحادثوه وشكوا إليه همومهم!! وأن بعضهم يرى في اللوح المحفوظ ما يستعصي عليه من المسائل!

ج ـ الإسلام هو دين اليقظة والدعوة إلى الحياة، أتراه يقيم أسس قواعده على المنامات، ويترك البراهين العقلية والأدلة النقلية لكي يعتمد على الرؤى؟ على أنك حين تخضع الكثير من هذه المنامات والرؤى ومضامينها للنقد والمناقشة تراها غير قائمة على أساس ركين.

بالطبع هذا لا يعني أننا ننكر أن بعض المنامات والرؤى الحاصلة فيها صادقة وقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عنها كما في رؤيا نبي الله إبراهيم﵇ {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}308. وكذلك رؤيا نبي الله يوسف﵇ {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}309. ومثل ذلك ما أرى الله سبحانه وتعالى نبيه الأكرم محمدا﵌ وأخبر عنه القرآن بقوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}310. وفي قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}311.

بل حتى رؤى بعض العلماء والصالحين، فلا يمكن رد كل هذه القضايا وإلا كان أشبه بإنكار ما عليه الوجدان. ولكن الكلام في سعة هذه الدائرة حتى اختلط فيها الصحيح بالسقيم.

والكلام.. في أن تخرج هذه الرؤى من كونها في جانب وعظي أخلاقي قد لا نحتاج فيه إلى كثير من التحقيق والتدقيق لابتنائه على التسامح، إلى أن تصبح أدلة في أصول العقائد، وفي بيان المعارف الدينية.

إننا في نفس الوقت الذي نعتقد فيه بوجود هذا النوع من الرؤى الصادقة312 إلا أننا نخالف أن تأخذ الأحلام كل هذا الدور فتصبح أصلا تؤسس عليه العقائد والثقافة والفكر، وتحتل هذه المساحة الكبيرة في التوجيه.

2. التطرف في الطرح الطائفي:

ومنها: التوجه الحاد في الطرح (الطائفي) السلبي:

ولأن هذه القضية ذات أهمية خاصة فإن من المناسب أن نوضحها ضمن النقاط التالية:

1. لا يرتاب أحد في أن من أهم القضايا التي يعتمد عليها المنبر هو تشكيل وتقوية الولاء، والانتماء إلى منهج أهل البيت﵈ فإن هذا من مقومات (إحياء الأمر)، وبدونه لا يكون للمنبر الحسيني خصوصية على غيره من المنابر الإعلامية الأخرى، بل يمكن القول: إنه بدونه يفقد رسالته الأساسية.

2. إن طريقة تشكيل الولاء والانتماء لمنهج أهل البيت﵈ لها من الأهمية ما للأصل، بحيث يبدو أحياناً أنه مع استخدام أحدهم طريقة غير مناسبة يكون من الأجدى تركه الدعوةَ والتبليغ بمنهجهم، كما يستفاد ذلك من بعض الروايات، فقد يكون إنسان بطريقته شَيْناً على أهل البيت ويؤدي عكس الغرض المطلوب. ويكون من المناسب حينئذ أن (يكف عن دعوة الناس لهذا الأمر).

3. إن الحكمة تقتضي أن يأخذ المتكلم بنظره ظروف الزمان والمكان الذي يعيش فيه والأشخاص الذين يستمعون إليه، أو يصل إليهم في العادة صوته، وهذا مما يستفاد من أوامر التقية التي هي (نصف الدين)313، بل هي الدين314 ـ أي الطريقة والمنهاج ـ. ولذلك فإن ما يكون مناسباً في مكان قد يكون ضارًّا في مكان آخر، وما يكون واجباً مع قوم يكون حراماً مع آخرين فـ «ما كل ما يُعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله»315.

ولذلك فإن الحديث العنيف الحاد ضد بعض طوائف المسلمين ـ بالرغم من أن بعض أولئك يصنعونه ـ ليس مما ينفع منهج أهل البيت﵈.

وليس معنى ذلك أن يُمدح الباطل، ويُمجد الخلل، وإنما يناقشون مناقشةً هادئة هادفة في الأفكار وبيان ما فيها من نقاط الالتقاء والافتراق، وبيان الخلل والخطأ الموجود فيها. ويستفاد هذا من كلام أمير المؤمنين﵈ القائل لأصحابه: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»316. فإنه﵇ مع كونه مع أهل الشام في حالة حرب، وهي أشد الحالات عنفاً بين فريقين، وما دونها من السب أو الشتم يعتبر هينا بالقياس إليها، ولكن الإمام في ذلك الوضع يحرص على الجانب الأخلاقي ويجنب أصحابه الآثار السيئة للشتم والسب. فإن ذكر الصفات غير الحسنة كانعدام الوعي والطاعة في الباطل، وغيرها مما كان موجودا في أهل الشام يصنع حصانة عند الطرف الناقد من الوقوع فيه عادة. وفي نفس الوقت الدعوة إلى أن تحقن دماء الفريقين، وسؤال: الله لهم الهداية من الضلال يرفع الإنسان الداعي إلى قيم مناقبية عالية.

4. إن من السهل على المتكلم أن يفرغ مخزونه النفسي ضد هذه الجهة أو تلك، جماعة كانت أو طائفة أو مذهبا، ولكن السؤال: هو عن حجم الآثار الاجتماعية التي يخلقها مثل ذلك السلوك. وفي المجتمعات الخليطة ذات المذاهب المتعددة، والطوائف المختلفة يبدو أن مثل هذا الأمر ينذر بحدوث الكوارث الداخلية، فإن (الحرب أولها الكلام) والتعبئة التي تقابلها تعبئة مضادة إلى أن تنتهي إلى الاصطدام.

والحقيقة أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الحالة المبدئية ولزوم التمسك بالمعتقدات، وبين الحالة النفسية التي تفيض بمخزونها، وتصطنع الحرب. فلا أحد يدعو ـ ولو دعا لا يستجاب له ـ إلى أن تترك المعتقدات، أو يتخلى عنها، ولكن أن يفصل بين المسألة المبدئية، والشخصية، وأن تلاحظ الدعوة إلى الحق بمقدار ما تلاحظ طريقة ذلك، وأن يؤخذ بعين النظر الوضع الاجتماعي زماناً ومكاناً وأشخاصاً. ونعود ونكرر لا يعني ذلك التخلي عن المسلمات الاعتقادية، ولا يعني أيضاً تمييع الفواصل الحقيقية، لأجل ملاحظات اجتماعية وإنما يعني أن يلتزم المتكلم الحكمة في تبيين الأمور العقدية، فيناقش بهدوء، ويرد بحكمة، ويوجه بتعقل. ولعلنا نتبيّن مثل هذا أيام الإمام الصادق﵇ حيث نهى البعض من أصحابه317 عن الكلام والخوض في المناظرات العقائدية لأنهم لا يحسنون ذلك، ولا يستطيعون «أن يطيروا لو قصوهم» مع أنهم كانوا أكثر حماساً من غيرهم في هذا الأمر. بينما يأمر آخرين كـ(أبان بن تغلب) أن «جالس أهل المدينة فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك».

3. طغيان الجانب السياسي:

ومنها: طغيان الجانب السياسي في بعض المنابر:

لا شك أن المنابر الحسينية قد قامت بدور كبير في حياة الناس عندما اقتربت من مشاكلهم وقضاياهم، بعدما كانت محصورة في فترة من الفترات في إطار الرثاء والتعزية أو السيرة، لكن لما بدأ الخطباء يعالجون القضايا الاجتماعية، ويتطرقون إلى الهموم العامة، موجهين إلى ما يفهمونه من رؤية الإسلام فيها، فقد اكتسب المنبر الحسيني قوة إضافية، وارتبطت جموع كثيرة به لكونه يعبر عن مشاكلها ويعينهم على تكوين نظرة سليمة لحلها.

لكن يُلحظ في بعض المناطق من عالمنا الشيعي أن هناك تسييساً كبيراً للمنبر، بحيث يبدو الخطاب فيه وكأنه لا يختلف كثيرا عما يسمع في الفضائيات، أو يقرأ في الجرائد والمجلات.

وأحسب ـ والله العالم ـ أن تطور الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي من ثورات وحركات تحرر وأعمال مقاومة وغيرها لما أثر على مجمل الحياة الإسلامية فقد أثر أيضاً على المنبر ونوعية الخطاب فيه، وفي بعض الحالات تجاوز التأثير الحدود المناسبة إلى ما هو أكثر.

كما أن كون بعض المتصدّين للمنبر الحسيني جزءاً من ذلك الحراك السياسي العام جعل من الطبيعي أن ينعكس وضعهم السياسي على خطابهم المنبري.

هذا إضافة إلى بعض عناصر الجذب والإثارة التي تترافق عادة مع (المنبر السياسي لو صح تسميته) والتي تستقطب شرائح من المجتمع، وتجعل الخطاب مع وجودها، شيّقاً ومثيراً ومعاصراً.

ونحن نخالف حذف هذا الجانب المعاصر من الخطاب بالكامل، لأسباب كثيرة، منها أن توجيه المجتمع في حركته السياسية مسؤولية مهمة ينبغي أن يضطلع بها العلماء والمصلحون، وأن لا يترك الناس هَمَلاً يوجههم الفاسدون أو تتلاعب بهم التيارات الخاطئة.

كما أن حياة أبناء المجتمع اليوم لم تعد ـ حتى في تفاصيلها الصغيرة ـ بعيدة عن الجانب السياسي، فمن الضروري أن يكون لديهم رؤية واضحة في المسألة العقدية، والثقافية، والسياسية أيضاً.

إلا أننا أيضاً لا نرى الإغراق فيه أو الإكثار منه، بحيث يشعر المستمع أنه لا يعيش أجواء المنبر الحسيني.

كما أن تناول هذا الجانب ليس من الصحيح أن يكون شرعة لكل وارد. فقد يكون تناول هذه القضايا ـ التي هي أيضاً تحتاج إلى دقة كافية ـ من شخص معيّن مقبولاً وطبيعياً، بخلاف غيره من المتكلمين.

4. غير المألوف في العقائد:

ومنها: النزوع إلى ذكر غير المألوف لا سيما في الأمور العقائدية:

يتعمد بعض الخطباء في منابرهم الحديث عن بعض القضايا غير المألوفة في المسألة العقائدية، فتراهم أولا: يوردون ما هو غير مشهور بين الطائفة من الآراء والمفاهيم، مستفيدين من كونها لم تسمع قبلئذٍ إلا نادرا. وأن مواضيعهم غير مكررة ولا مسموعة.

وأحياناً يجر الأمر إلى ذكر بعض الآراء النادرة، التي يصعب تحملها على أكثر المستمعين بل ربما كانت بالنسبة لهم عامل فتنة، وخبطاً فكرياً. ولا سيما عندما يكون الحديث عن مقامات أهل البيت﵈ العالية، ومنازلهم السامية فإن بعضها (أو الكثير منها) يرتفع عن مستوى الكثير من المستمعين. وهذه الأفكار بحلقات الدروس الخاصة لمجاميع ذوي مستويات عالية متقاربة أنسب منها بالمجالس والمنابر الحسينية العامة التي يحضرها ذوو مستويات مختلفة ارتفاعاً وهبوطاً وهذا التوجه قد يكون ناتجاً عن عدم التقدير، وفقدان الحكمة في مخاطبة الجمهور بالنحو الذي يستوعبه، وبالمقدار الذي ينفعه.

لقد وجّه رسول الله﵌ وأئمة الهدى﵈ إلى أن يتكلم المتكلم بمقدار ما يكون قابلاً للمعرفة والتعقل، من قِبَلِ المستمعين وإلا كان لهم فتنة وأذى، ففي الحديث عن رسول الله﵌ 318: «لا تحدّثوا أمتي من أحاديثي إلاّ بما تحمله عقولهم».

وعنه﵌: «أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»319. ويُبيّن الأثر السلبي الناتج عن الحديث بما هو (مستصعب الفهم) فيقول: «ما أنت محدّث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة»320.

وفي الحديث عن أمير المؤمنين علي﵇: «أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! حدثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عما ينكرون»321.

ومع أن الحديث في التوحيد مهم باعتبار أنه قاعدة الإيمان الأساسية إلا أن النبي﵌ ينهى عن الحديث في هذا الجانب بما يشق على الناس فهمه: «إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم».

ويرى الإمام الصادق﵇ ـ وهو الذي أظهر علوم آل البيت﵈ ونشرها بين الناس ـ أن مذيع الحديث عند من لا يحتمله ولا يتعقله يساوي الشاتم أعراضهم والمحارب لهم؛ فقد قال أبو عبد الله﵇: «أقرئ موالينا السلام، وأعلمهم أن يجعلوا حديثنا في حصون حصينة، وصدور فقيهة، وأحلام رزينة، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما الشاتم لنا عرضاً والناصب لنا حرباً، بأشد مؤنة من المذيع علينا حديثنا عند من لا يحتمله»322.

وهذا الكلام المتقدّم ليس دعوة للتسطيح، وتحويل المنبر إلى (سوالف) وقوالب مكررة ومعادة. وإنما ـ كما ذكر الإمام﵇ ـ أن يجعل الحديث في حصون حصينة، وصدور فقيهة وأحلام رزينة.. وفي ذلك توجيه مهم مؤداه أن يُجعل الحديث المناسب في موضعه.

وإن من المطلوب تعميق الخطاب المنبري وتطويره موضوعاً، وقد سبق الحديث عن هذا الجانب في القسم الثاني من هذا الكتاب، خصوصاً مع ارتقاء مستوى المستمعين، واعتماد الكثير منهم على المنبر بوصفه قناة أساسية يتلقون منها ثقافتهم الدينية في مختلف مجالاتها.. هذا شيء، وأن ينزع الإنسان إلى الغرائب من الملاحظات والشواذ من الأفكار، والغامض من الآراء.. شيءٌ آخر.

ونحن نحمد الله أنّ ما سبق لا يشكل سوى حالات قليلة، لا يقاس عليها، ولم يتحول إلى ظاهرة.

الهوامش

  1. 300. العجيب أن القندوزي في ينابيع المودة ج 3 قد نقل الحادثة عن أبي مخنف كما يفترض لكن مع شيء من التغيير، أنهم حفروا بئرا، فصادفتهم صخرة ثم أخرى فصادفتهم صخرة أخرى كذلك، فقال لأخيه امض قال له: « امض الى الفرات وآتينا الماء «، فقال: « سمعا وطاعة «، فضم إليه الرجال، فمنعهم جيش عمر بن سعد، فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الأعداء حتى كشفهم عن المشرعة، ودفعهم عنها، ونزل فملا القربة، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته فنفض الماء من يده وقال: « والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين « وأنشأ يقول... إلخ.. يقول ضم إليه الرجال مع أنه في هذه الحملة لم يكن مع الحسين غير أبي الفضل كما تذكر الروايات التاريخية، ولعل القندوزي اشتبه عليه الأمر بين الحملة الأولى التي تمت في اليوم السابع حيث كان مع العباس عدد من الرجال وانتهت بأن جلبوا الماء للمخيم،وبين الثانية التي كان فيها وحده واستشهد على إثرها.
  2. 301. مقتل الحسين ﵇ ـ أبو مخنف الازدي ص 179.
  3. 302. إننا نجد حتى الذين يقفون في طرف المنافسة أو العداء، لا يملكون أنفسهم من الاعجاب بمواقف أهل البيت في كربلاء، فهذا مصعب بن الزبير، كما قيل لما أراد قتال عبد الملك بن مروان، بلغ الحائر فوقف على قبر الحسين فقال: يا أبا عبد الله أما والله لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك، ثم قال:
  4. 303. الطبري 4/ 321.. الغريب أن الطبري ينقل هذه الرواية وقد نقل قبلها رواية عمار الدهني التي فيها أنهم كانوا قرابة المئة وخمسة وأربعين !!
  5. 304. قصة كربلاء / 421 لحجة الإسلام نظري منفرد، نقلا عن (حياة أبي عبد الله) لعماد زاده.
  6. 305. الطبري ج 4 ص 292 والرواية التي اعتمد عليها الطبري في أكثر من موضع، فيها أكثر من موضع حصل فيه الخبط بما لا يمكن قبوله. هذا مع غض النظر عن الجهة السندية.
  7. 306. أنصار الحسين: الرجال والدلالات 49 ونرى أن المؤلف قد بذل جهدا رائعا في الكتاب لتحديد العدد، ودلالاته، والكتاب حري بأن يقرأ.
  8. 307. وقد كان بإمكان الشيخ شمس الدين أن يستفيد من ذلك الكتاب الذي حققه السيد الحسيني في تدعيم النتيجة التي توصل إليها، بشكل جيد، ولكنه نظرا لأن كتاب انصار الحسين قد طبع قبل نشر كتاب الفضيل بن الزبير الأسدي، الذي تم تحقيقه وإخراجه في مجلة تراثنا سنة 1406هـ.
  9. 308. نشر في مجلة تراثنا عدد 2 / عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  10. 309. الشيخ عباس بن محمد القمي (1294 1359هـ) واعظ مجيد، وكاتب مكثر، ومحدث خبير، تتلمذ في الغالب على أستاذه الشيخ حسين النوري الطبرسي صاحب المستدرك، له ما يقارب من 60 مصنفا. منها في السيرة مثل كحل البصر في سيرة خير البشر، ومنتهى الآمال في سيرة المعصومين، ونفس المهموم ونفثة المصدور في مقتل الحسين، وفي الدعاء له الكتاب المشهور: مفاتيح الجنان،.. وكتب أخرى متنوعة.
  11. 310. الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الهمذاني الحارثي: (953 ـ 1031 ه‍)، بهاء الدين: عالم أديب إمامي، من الشعراء. ولد ببعلبك، وانتقل به أبوه إلى إيران. ورحل رحلة واسعة، ونزل بأصفهان فولاه سلطانها (شاه عباس) رياسة العلماء، فأقام مدة ثم تحول إلى مصر. وزار القدس ودمشق وحلب وعاد إلى أصفهان، فتوفي فيها.. الأعلام ـ خيرالدين الزركلي ج 6 ص 102.
  12. 311. ذكره في الكنى والألقاب، قال: مجدد المذهب على رأس المائة الحادية عشر، انتهت إليه رئاسة المذهب والملة له تصنيفات وتأليفات متعددة، منها حبل المتين، ومشرق الشمسين والاربعين، والجامع العباسي، والكشكول، والمخلاة، والعروة الوثقى، ونان وحلوا والزبدة، والصمدية، وخلاصة الحساب، وتشريح الافلاك، والرسالة الهلالية، ومفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، و الاثنى عشريات، والتهذيب، والحواشي على الفقيه وعلى خلاصة الرجال، وعلى الكشاف والبيضاوي وغير ها.
  13. 312. على أحد الرأيين في أنها هي المطلوبة. وهناك رأي آخر يشير إلى أنها فاطمة بنت الحسين.
  14. 313. نشير في هذا المجال إلى أن زهير بن القين كان خارج الكوفة، وكان معه زوجته دلهم (ديلم) بنت عمرو، وكان لها دور في تشجيعه على الالتحاق بالحسين، وعندما علم بأنه ذاهب للشهادة، وكل بها من يردها إلى أهلها.
  15. 314. وسيلة الدارين صفحة 52.
  16. 315. ربما يكون لنا وقفة لمناقشة الراوية التي تنقل كيفية خروج الحسين﵇ من المدينة، في هذا القسم أو تاليه.
  17. 316. معالي السبطين 2/226.
  18. 317. المغيرة بن نوفل بن الحارث من أصحاب أمير المؤمنين﵇، والحسن، له مع معاوية مناظرات في الدفاع عن أهل البيت﵈، وكان سريع البديهة حديد اللسان، كان مع الامام الحسين﵇ في خروجه، وأصابه مرض في الطريق فعزم عليه الحسين أن يرجع، فرجع.. ولما بلغه قتل الحسين﵇، رثاه. عن تهذيب المقال /2 للسيد محمد علي الأبطحي.
  19. 318. سير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 321.
  20. 319. وسائل الشيعة 19 / 373.. وتراجع ترجمتها في كتاب (نساء حول أهل البيت) للمؤلف.
  21. 320. مستدرك الوسائل 15 / 474.
  22. 321. نعم يمكن استصحاب بقائهن إلى ذلك الوقت، لكن لا يمكن به إثبات سفرهن، باعتبار أنه من اللوازم العادية لوجودهن في تلك الأجواء.
  23. 322. ذكر ذلك الشوكاني في نيل الأوطار ج 6، والبيهقي في السنن الكبرى ج 7، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج 8.