وهذا يعتبر في نظر كثير من المحققين والمفكرين، اتجاها غير سليم. فإن هناك فرقا بين الإيمان بالغيب وهو جزء أصيل من عقيدتنا الدينية، تحدث عنه القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وبين الاستناد على المنامات والرؤى أو المكاشفات في العقائد، والأفكار.
وجهة الإشكال في هذا التوجه:
أ ـ إن المنام ليس بحجة شرعية في فروع المسائل فما ظنك في أصول العقائد؟ إن العلماء عندما يسمعون بفكرة أو برأي يرجعون إلى مستنده ودليله ويحققون ذلك الدليل ويناقشونه، ويتبينون مواضع الصواب والخلل فيه. أفترى هؤلاء يسلّمون لمنام رآه أحدهم ضمن تأييد فكرته؟
ب ـ أن بإمكان كل طرف من المتخالفين في الفكر أن يؤيد نظريته بمنام يراه، وليس كل من يدعي المنام المؤيد لفكرته هو كاذب، بل ربما يكون صادقا في ذلك.. وسره أن الإنسان يتفاعل مع ما يعتقده من أفكار فيجيء منامه ورؤياه متوافقا مع ذلك الاعتقاد. وربما دخلت المزايدات المذهبية ومحاولات تأييد الخط المذهبي على الخط فتجاوزت الحدود المعقولة، مثلما زعم بعضهم أن أحد أئمة المذاهب الأربعة كان يرى رسول الله في كل ليلة طوال العام!! ولما رأى جماعة مذهب آخر أن ذلك يمكن أن يكون دليلا على حقية مذهب الأولين أرادوا تأييد مذهبهم أيضاً بالرؤيا والمنام، فزعم بعض هؤلاء أن علماء مذهبهم307 قد رأوا الله ذاته (سبحانه وتنزه!!) في المنام وحادثوه وشكوا إليه همومهم!! وأن بعضهم يرى في اللوح المحفوظ ما يستعصي عليه من المسائل!
ج ـ الإسلام هو دين اليقظة والدعوة إلى الحياة، أتراه يقيم أسس قواعده على المنامات، ويترك البراهين العقلية والأدلة النقلية لكي يعتمد على الرؤى؟ على أنك حين تخضع الكثير من هذه المنامات والرؤى ومضامينها للنقد والمناقشة تراها غير قائمة على أساس ركين.
بالطبع هذا لا يعني أننا ننكر أن بعض المنامات والرؤى الحاصلة فيها صادقة وقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عنها كما في رؤيا نبي الله إبراهيم﵇ {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}308. وكذلك رؤيا نبي الله يوسف﵇ {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}309. ومثل ذلك ما أرى الله سبحانه وتعالى نبيه الأكرم محمدا﵌ وأخبر عنه القرآن بقوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}310. وفي قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}311.
بل حتى رؤى بعض العلماء والصالحين، فلا يمكن رد كل هذه القضايا وإلا كان أشبه بإنكار ما عليه الوجدان. ولكن الكلام في سعة هذه الدائرة حتى اختلط فيها الصحيح بالسقيم.
والكلام.. في أن تخرج هذه الرؤى من كونها في جانب وعظي أخلاقي قد لا نحتاج فيه إلى كثير من التحقيق والتدقيق لابتنائه على التسامح، إلى أن تصبح أدلة في أصول العقائد، وفي بيان المعارف الدينية.
إننا في نفس الوقت الذي نعتقد فيه بوجود هذا النوع من الرؤى الصادقة312 إلا أننا نخالف أن تأخذ الأحلام كل هذا الدور فتصبح أصلا تؤسس عليه العقائد والثقافة والفكر، وتحتل هذه المساحة الكبيرة في التوجيه.