فزوَّج النبي (ص) تلك إلى هذا الرجل؛ لأنه مؤمن، والمؤمن كفو المؤمنة. حتى يكسر هذه المقاييس. إذ ليس عندنا غير هذا. فلو أن شخصا جاء وطلب من رسول الله أن يتزوج إحدى بناته، فيكفي فيه أن يكون مسلما ظاهر الإسلام وحسن الخلق ظاهرا، فيزوجه النبي، كما حصل بالفعل.
ولو لم يفعل رسول الله (ص) ذلك، لكان يُعترض عليه: فأنت تقول: المسلم كفو المسلمة، ثم لا تصنع هذا في شأن بناتك، فكيف هذا التناقض؟! إلا فاطمة (ع). إذ كان النبي صريحا فيها، وقال: "أَنْتَظِرُ فِيهَا أَمْرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ". فهذه استثناء من القاعدة، ويحدث أن يستثنى من القواعد.
فقضية أن هذه تنتمي إلى قبيلة تيم، وقبيلة تيم لم تكن على وفاق مع بني هاشم، وبالتالي هذا يبين أن هناك مشاكل. فلا. كون قضية الزواج لها معادلة خاصة، لا ترتبط بالموضوع العقائدي. فالموضوع العقائدي موضوع خاص، له مقوماته ومقاييسه الخاصة. وهذه امرأة تزوجها الحسين (ع).
٣/ تزوج أيضا بالرباب بنت امرؤ القيس الكندي. امرؤ القيس والدها، وكان رجلا مسيحيا. ولعله في حدود سنة ١٥، أو ١٦ هجرية، جاء إلى المدينة، فأراد أن يتعرف على الإسلام، فقابل أمير المؤمنين (ع)، وكانت عنده أسئلة، ولم يستطع أحد أن يجيب على أسئلته إلا أمير المؤمنين سلام الله عليه. فعلم منه أنه غير الموقع النسبي الذي بينه وبين النبي، هناك موقع قيادي إمامي بين هذا الرجل وبين رسول الله (ص)، فأبدى رغبته في أن يصاهر الإمام (ع): لو يصبح بيننا نسب، فهذا شيء طيب.
فاقترح هذا الرجل على الإمام الحسين (ع)، وقال: أنا لدي بنت هي الرباب، جميلة، مؤدبة، وكذا، إلى آخره. وأحب أن يصاهرني واحد من عندكم. فتزوج الإمام الحسين (ع) الرباب بنت امرؤ القيس، وأنجبت له عبد الله الرضيع، وأنجبت له سكينة أيضا.
وكان الإمام (ع) يحبها حبا كثيرا، وهي تبادله ذلك. حتى المنقول عنه سلام الله عليه، الشعر المعروف:
لعمرك أنني لأحب دارا تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي وليس لعاتب عندي عتاب
أي، أنا أحب تلك الدار التي فيها سكينة والرباب، وأبذل الأموال، أنا أنفق، أنا كريم، أنا جواد عليهما، ولا أسمع كلام الآخرين: أنه لا تصرف، ولا تظهر حبك. وهذا في الواقع يعطينا درسا في الحياة الأسرية. لنبدي حبنا لأهلنا، فكل واحد منا يحب أهله، يحب زوجته، يحب أبناءه، يحب بناته، ولكن الإبداء مطلوب.
لذلك عندنا في الروايات، عن الإمام الصادق (ع): "قَوْلُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَدًا". فإذا تقول إلى زوجتك: أنا أحبك، أنت أعطيت حياتي طعما، أنت لونت حياتي بألوان بهيجة، أنت أسعدتني، غمرتني بما أحتاج إليه. فهذا أمر يبقى في نفسها، وتتغلب به على المصاعب. هذا غذاء، أكبر من المال، وأكبر من البيت الكبير، وأهم من الأثاث الفخم، هذا أهم وأكبر. فلا ينبغي أن يقصر الإنسان في هذه الجهة. تغزل في أهلك، تعشَّق في زوجتك، أبدي حبك، فهذا مطلوب من عندك، وهذا مستحب شرعا. ويحافظ أيضا على البناء الزوجي، ويجعل هذه العواطف، عواطف متقدة، متحركة.
قسم من الناس، يقول: أنا إذن لماذا أخرج من الصباح للعمل؟! لو ما كنت أحبهم. لا بأس، أنت تفعل هذا، جزاك الله خيرا. لكن قل هذا أيضا. أسمع هذا الكلام. فلو أن واحدا أراد أن يصلي، هل يكفي أن يقول: أنا أعتقد: الله أكبر، أي أعتقد في قلبي: أن الله أكبر؟! لا. بل عليك أن تقول. قل، تلفظ: الله أكبر؛ حتى يترتب الأثر. ففي بعض الأماكن يكفي النية، لكن يستحب أن تقول، كما في نيات الحج مثلا، بلغكم الله وإيانا. إذ يكفي أن أحدهم يأتي هكذا ساكتا لكن في ذهنه أنه يطوف. بينما يستحب له أن يقول: أطوف بالبيت سبعة أشواط.