هل يرتبط الفُرس بالتشيع أو العكس لأجل زوجة الحسين ؟
وهنا، لا بد أن نشير إلى ملاحظة، وهي: أن ما يزعمه بعض المستشرقين، وأحيانا بعض الطائفيين، من أن أصول التشيع في فارس، راجعة إلى أن الإمام زين العابدين، أمه فارسية، فتعصب الفرس - مثلا - إلى مذهب نسيبهم، فصاروا شيعة، فهذا كلام يضحك الثكلى، كما يقولون.
ذكرنا في إحدى السنوات، عن أن تشيع إيران وفارس، مر بخمس مراحل. وكل تشيع إيران كان مصدره عربيا. بدءا مما بعد سنة ٧٠ هجرية، التي بدأ فيها التوجه إلى التشيع في إيران على أثر هجرة القبيلة اليمنية: الأشعريين من الكوفة. فهؤلاء اصطدموا بالسلطة الأموية، وبالذات عندما شاركوا في ثورة ضد الحجاج، ثورة عبدالرحمن بن الأشعث، وهذا نكل بهم، فاضطروا إلى أن يخرجوا، فقصدوا قم، بفارس. وهناك أحسنوا المعاملة مع الناس، وقليلا قليلا تشيعت هذه المنطقة. فأصول تشيع ما بعد سنة ٧٠، كانت في فارس، في بلدة قم، على يد الأشعريين، القبيلة اليمنية التي كانت ساكنة في الكوفة. فلا ارتباط للتشيع بموضوع زواج شهربانو أو غيرها.
وينقض على هذا الكلام أيضا، أن محمد بن أبي بكر، قد تزوج الأخت الأخرى لشهربانو. فلماذا لم يجر ذلك المنطقة إلى التسنن؟! باعتبار أن قريبتهم الأخرى أخذها محمد بن أبي بكر. فيتبين أن هذا كلام لا صحة له. فالإمام تزوجها، وأنجبت له زين العابدين السجاد سلام الله عليه، وماتت في نفاسها به. أي عندما كانت تضع الإمام، توفيت، كما هو في الروايات. لذلك تولت تربية الإمام زين العابدين (ع) غير أمه الحقيقية. فهذه المرأة الأولى شهربانو.
٢/ المرأة الأخرى، تسمى: أم إسحاق بن طلحة بن عبيد الله التيمي. وهذه المرأة كانت زوجة للإمام الحسن المجتبى (ع)، وولدت له ولدين أو ثلاثة، وكانت حسنة العشرة جدا مع الإمام الحسن (ع)، وذات أخلاقية عالية. فلما قربت وفاة الإمام الحسن (ع) أوصى أخاه الحسين ألا تخرج هذه المرأة من بيوت بني هاشم. فهذه امرأة استثنائية.
فكأنما الإمام الحسين فهم من هذا رغبة الإمام الحسن أن تبقى ضمن الأسرة الهاشمية، فتزوجها سلام الله عليه، وبقيت عنده، وولدت له ولدا، يقال له: جعفر. قيل: إنه توفي وهو صغير. وهي أم فاطمة بنت الحسين .
وهنا، لا بد أن نشير إلى ملاحظة، وهي: ما يصنعه بعض المتعصبين أحيانا من توظيف قضايا الزواج في مسائل العقيدة. فيقول لك: انظر، الذي يدل على أنه ليس علي بن أبي طالب وبين الخلفاء مشكلة ما، ولا بين الأئمة وبين بني أمية، أنهم كانوا يتزاوجون فيما بينهم! إذن، ليس من مشكلة عقائدية بينهم، ولا مشكلة سياسية، ولا غير ذلك. وهذا تبسيط للمسائل.
فموضوع الزواج له مقومات. والقيمة الأساسية عندنا هو الإسلام، فالمسلم كفو المسلمة. فلا مقاييس أخرى تمنع. نعم، عند غيرنا، قضية النسب مهمة. فبعضهم يقول: وفعلوا فعلا في أيام الخلفاء، فإذا أحد من الموالي، يعني: غير عربي، يتزوج امرأة قرشية، يفرقون بينهم! الحجاج الثقفي فعل هذا. سمع أن فلانا - وهو من الموالي - تزوج امرأة قرشية، سيدة بعد، فأتوا به، وجلده ، وحلق رأسه، وأمره بالطلاق منها. وهذا غير مشروع. فماذا يعني أنها عربية وقرشية، وهذا غير عربي! ما الفرق؟ لا يوجد أي فرق. فالمسلم كفو المسلمة، وكل المقاييس الأخرى تسقط.
لذلك يستشهد الإمام زين العابدين (ع)، يقول: "إِنَّمَا زَوَّجَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّد ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِنْ جُوَيْبِر لِكَي تَتَّضِعَ المَنَاكِح". وهي عمة النبي ، يفصلها عن عبد المطلب والد واحد. فزوجها النبي إلى من؟ جويبر. وكان رجلا – ونحن الآن لا نذكر هذه الصفات ذما فيه، لأننا لا نعتقد أنها صفات ذميمة، ولكن لبيان ما يتصوره الناس من الفارق الاجتماعي - أولا: فقيرا فقرا شديدا. كان ينام في الصفة، فليس عنده حتى مكانا ينام فيه. ثانيا: كان لونه أسود شديد السواد، وشعره بذاك الشكل الذي يكون عادة مقارنا العنصر الزنجي. وأضف إلى ذلك هو غير عربي. أي لا أموال، حسب التعبير، لا جمال، لا عائلة، لا أصل، حسب مقاييسهم، وتلك تملك كل هذه الأشياء.