خطب الحسين : توثيق النهضة

خطب الحسين : توثيق النهضة
00:00 --:--

ناكِثاً لِعَهدِ الله ، مُخالِفاً لِسُنَّة رسولِ الله ، فلَم يُغَيِّر عليهِ بفِعلٍ ولا قول ، كان حقاً على الله أن يُدخِلَهُ مدخَلَه ، ألا وإن هؤلاءِ قد لَزِموا طاعةَ الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن وعطَّلوا الحدود وأظهَروا الفساد واستأثَروا بالفَيء وأنا أحَقُّمَن غَيَّر ) .. ثت تعرَّضّ إلى بعض القضايا التي فيها أنه وردَتْ عليهِ كُتُبٌ من أهل الكوفة ..لما وصلَ عليه السلام إلى كربلاء أولاً خطبَ في أصحابِه فقال : أيها الناس ، الناسُ عَبيدُ الدنيا والدينُ لَعْقٌ على ألْسِنَتِهِم ، يحوطونَهُ ما درَّتْ معايِشُهُم ، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قَلَّ الدَّيَّانون ، أيها الناس إنهُ قد نزَلَ بنا من الأمر ما قد ترَوْن ، وإن الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرَتوأدبرَ معروفُها ، ولم يبقَ منها إلا صُبابة كصُبابةِ الإناء

، وخسيسُ عَيْشٍ كالمرعى الوبيل ، ألا ترَوْن إلى الحقِّ لا يُعمَلُ به ؟ وإلى الباطِل لا يُتَناهى عنه ؟ ليَرْغَبِ المؤمن في لقاءِ اللهِ مُحِقّا ، فإني لا أرى الموتَ إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا بَرَما ) ... ومع العدو خطبَ خُطبتين : الخطبة الأولى فيها تعريف بنفسِه ( ألَسْتُ أنا ابن بنت نبِيِّكُم ؟ وابنَ وصيِّه ؟ أوَليسَ حمزةَ سيِّدُ الشهداءِ عمَّ أبي ؟ أوَليسَ جعفرالطيارُ عمي ؟ أوَ لم يبُغْكُم قول رسولُ اللهِ فييَّ وفي أخي الحسن هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنة ؟ فإن صدَّقْتُموني فيما أقولُ وهو الحق ، واللهِ ما تعمَّدتُ الكذِبَ مُذْ علِمْتُ أنَّ اللهَ يمْقَتُ أهلَه ، ويُعاقِبُ مَن ارتكبه .... ) .. آخر خُطبةٍ له عليه السلام عندما قال للقوم :

( تبّاً لكم أيتها الجماعة وتَرَحا .. أحينَ استصْرَخْتُمونا والِهين فأصْرَخْناكُم مُوجِفين سلَلْتُم علينا سيفاً لنا في أيمانِكُم وحَشَشْتُم علينا ناراً اقتَدَحْناها على عدُوِّنا وعدُوِّكُم بِغيرِعَدلٍ أفشَوْهُ فيكُم ، ولا أملَ أصبَحَ لكُم فيهِم فَهَلاَّ لكُم الويلات ، ترَكْتُمونا والسيفُ مَشِيمٍ ، والجاشُ طامٍ ؟!!!! ......... ) . هذا إجمال للخُطَب والوصايا الواصِلَة إلينا من الحسين عليه السلام . هناك رسائل ايضاً يطولُ المقامُ لو ذكرناها ... الدورُ الأساسي الذي قامتْ بهِ هذهِ الخُطَب ، وهذهِ الكلمات ، كان توثيق النهضَة الحُسينية تحويلها في شخصِها وشخصِ عدُوِّها ، وأهدافها وأغراضها إلى وثيقة تأريخية غير قابلة للتزوير ، غير قابلة للتحريف ، حتى لا يأتي أحدٌ آخر ويصنع هوِيَّة مُزَوَّرة لصاحبِ النهضة ، لا يصنع هوية مُزوّرة للقَتَلَة ، لا تُقيَّد

القضية من القتلة والجريمة ضد مجهول ، وإنما مُحدَّد هذا القاتل ، والعدو مُحدَّد على مستوى الأمراء وعلى مستوى الأتباع ، لا يأتي شخص لِيقولَ : إن هذه النهضة جاءت لِغايات سياسية مُجرَّدة ، أو مادية مصلحية وإنما كان لها أغراض نصَّ عليها الحسين عليه السلام .. الامام الحسين سلام الله عليه توجَّه إلى إمكانية إثارة إشكالات فأجاب عليها كما سيتبيَّن بعد قليل . *البناء الفني والبلاغي لهذه الخُطَب : بشكلٍ مُبَسَّط ، أول ما نُلاحِظُهُ على كلمات الإمام الحُسين عليه السلام ، احتوائها على كَمٍّ كبيرٍ من الأفكارفي كلِماتٍ قليلة ، وألفاظ معدودة وهذه هي البلاغة ؛ لذا تحوَّلت كلِماته إلى شعارات _ قوة الكلمة ، عُمق المضمون ، قِلَّة الألفاظ _ وهذه هي البلاغة ... يقولون أن المأمون

العباسي خطب ذاتَ يومٍ خُطبة وكان أحد الأعراب من البادية موجود في مكان الخِطاب ، فأطال المأمون ، بعدما انتهى المأمون سأل الأعرابي : ما تجِدون البلاغةَ عندكم ؟ فقال : إيصال المعنى بأقل ما يُمكِن من الألفاظ . قال : فما العَيُّ عندكم والفهاهَة ؟ _ العَي يعني عدم القدرة على توصيل الأفكار _ قال الأعرابي : ما كُنّا فيهِ منذُ ساعة .. كيف تتحوَّل بعضُ الكلمات إلى حِكَم ؟ أنا وأنت نستخدِم نفس الكلمات التي استخدمها القرآن الكريم ، ونأتي بنفس الحروف التي تكلَّمَ بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونعتمِد على نفس الألفاظ التي قالها أمير المؤمنين عليه السلام ، لكننا نرى الكلمة عندما تأتي من القرآن أو النبي أو الوصي تأتي حِكمَة بالِغة جامعة

، ونحن نتكلم كثيراً بدون معاني جامعة . عندما يقول القرآن الكريم : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) ، العرب كان عندهم كلِمة أخرى : القتلُ أنفى للقتْل ، يعني : إذا يُقتَل القاتِل ، هذا يُؤدي أن لا يشِيعَ القتلُ في المُجتمع .. لكن المضامين في اللفظِالقرآني أعمق وأيضاً اللفظ ففي قول العرب تتكرَّر لفظةُ ( القتل ) مرتين ، ولفظة ( أنفى ) لا تُناسب نغمة المِثال ، والقرآن لا يستخدم كلمة ( الموت ) ولا ( القتل ) ، وإنما يستخدم كلمة ( الحياة ) ، ولا يقول تقتل القاتل ، وإنما يقول ( تقْتَص ) ، والقِصاصُ يكونُ رادِعاً ، كل هذه المعاني في ثلاث كلمات .. كلمات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة