خُطَبُ الحُسين توثيقٌ للنهضةِ
تفريغ نصي الفاضلة أم أحمد
قال سيدنا أبو عبد الله الحسين عليه السلام : ( خُطَّ الموتُ على وُلدِ آدم مَخَطَّ القِلادَةِ على جِيدِ الفتاة ، وما أولَهَني إلى أسْلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يوسُف ، وخِيرَ لي مصْرَعٌ أنا لاقِيه ، كأنِّي بأوصالي هذه تُقَطِّعها عُسْلانُ الفلَوات بينَ النَّوَاويسِ وكربلاء ، فيمْلَأْنَ مِني أكْراشاً جُوفَاوأجْرِبَةً سُغْبا ، لا مَحِيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقلم ، رضا الله رِضانا أهلِ البيت ،نَصبِرُ على بلائهِ فيُوَفِّينا أُجورَ الصابرين ، لن تَشُذَّ عن رسول الله لُحمَتُه ، بلْ هي مجموعَةٌ لهُ في حظيرَةِ القُدْس تَقِرُّ بهِم عَيْنُه ، ويُنجَزُ بهِم وعْدُه ، ألا ومَنْ كان باذِلاً فينا مُهْجَتَه ،مُوَطِّناً على لِقاءِ اللهِ نفْسَه ، فلْيَرْحَلْ معَنا فإني راحِلٌ مُصبِحاً ، إن شاء الله ) صدق سيدُنا ومولانا الحسين عليه السلام ..
حدثُنا بعنوان : خُطبُ الحسين عليه السلام توثيقٌ للنهضَةِ الحُسَينِية
على مدى ١٦٠ يوماً هي الفترة من خروج الإمام الحُسين عليه السلام يوم٢٧ من شهرِ رجب سنة ٦٠ للهجرة ، إلى يوم العاشر من شهر محرم سنة ٦١ للهجرة ، خطب الإمام الحسين عليه السلام خطاباتٍ مُتعدِّدة ، ووَجَّه رسائل لِفِئاتٍ مُختَلِفة ، واوصى بِوصِيَّةٍ معروفةٍ لِمحمد بنِ الحنفية ... نحنُ لا نعتقِد أنَّ ما جاء بهِ التاريخ هو كلُّ ما قالهُ الإمام الحُسين عليه السلام وذلك لأن التاريخ _ مثلاً _ لم ينقُل عن الحسين في فترَةِ بقائهِ في مكة المكرمة ، وهي فترة شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة وشيء من ذي الحجة .. لم تنقُل الكتب عنه عليه السلام إلا خُطبَتَين ، خُطبة هي التي ذكرنا جانِباً منها وهي خطبةٍ قالها عليه السلام يوم الثامن أو ليلة الثامن من شهر ذي الحجة من خلال التأمل في قوله عليه السلام ( فإني راحِلٌ مُصْبِحاً ٩ يعني يُفتَرض أن يكون في الصباح ، وان يكون قد خطب هذه الخطبة في وقتٍ قبل ذلك ، ويُفترض أن تكون في ليلة الثامن من ذي الحجة .. وخطبة أخلاقية أخرى مُختَصرة جداً .. مع أننا نطمئن من أن الحسين عليه السلام في فترة بقائه لهذه الأشهر الأربعة لابد أن يكون قد خطب في أصحابه ، درَّسهُم علَّمَهُم وجَّههُم ، أو جاءهُ أناس وخطب فيهم أو تكلّم معهم ، أخبَر عن أهدافِهِ وعن ثورته ونهضتِه ، ولكننا لا نجِدُ أثراً واضحاً لمثل هذا في الكتب التأريخية ، ما بقي في هذه الفترة ٧ رسائل أرسلها الإمام الحسين عليه السلام: إلى أهل الكوفة رسالة ، إلى أشرافِ أهلِ البصرة رسالة أخرى ، إلى محمد بن الحنفية رسالة ، إلى محمد ومَنْ حولَهُ من بني هاشم فكُلُّ مَن لحِق بنا استُشْهِد ومَن لم يلحَق بنا لم يُدرِك الفتح ) ، ورسالة إلى والي المدينة الجديد عَمرو بن سعيد الأشدق الأموي ، فهذه الرسائل وأمثالها كانت في فترة بقائه في مكة وهاتان الخطبتان كما ذكرنا ..
سوف نعرِضُ للخُطبِ الرئيسية بشكلٍ سريع ، ثم نتأملُ في دلالاتها ، وأثرُها في حِفظِ شخصيةِ صاحبِ النهضة ، والتعريف بأعدائهِ ، والتعريف بأهدافِهِ ، والرد على الإشكالات المُثارة أمام نضهةِ الإمام الحسين عليه السلام ..هذا المقدار القليل له مضامين عظيمة ...
منها خطبته أمام الوليد ابن عُتبة : ( يا أمير أنا أهل بيت النُّبُوَّة وموضِعُ الرسالة ، بنا فتح الله وبنا يختِم ، ويزيد فاسِقٌ فاجر شاربٌ للخمور ... ، ومِثلي لا يُبايِعُ مِثلَه ) هذه في المدينة ...
ومنها وصيتُه لأخيه محمد بن الحنفية أنه يشهدُ أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حقٌ والنار حقٌّ وأن الله يبعثُ مَن في القُبور ، وأني لم أخرُد أشِراً ولا بَطِراً ولا مُفسِداً ولا ظالماً ، وإنما خرَجتُ لِطلَبِ الإصلاح في أمةِ جدي، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدِّي وأبي ، فمَن قبِلَني بقبولِ الحقِّ فالله أولى بالحق ومَنْ رَدَّ عليَّ أصبِر حتى يحكُمَ الله ، وهو خيرُ الحاكمين ) .في مكة المكرمة ذكرنا هذه الخطبة التي افتتحنا بها حديثَنا ... في الطريق إلى كربلاء يلتقي بِجيشِ الحَرِّ الرِّياحي ، فيَخطُبُ فيهم ويقول : ( سمِعتُ رسول الله يقول : ( مَن رأى منكم سُلطاناً جائراً مُستَحِلاًّ لحرامِ الله ،