صاحب هذه القضية. فالقضايا تحتاج إلى روح. الآن سيارة، مجرد أن يكون فيها مقود، ودواليب، وعجلات، لا تمشي. فهي تحتاج إلى ماذا؟ إلى وقود يحرك المحرك. أما الوقود الإنسان المؤمن في هذه القضية هي عواطفه ومشاعره. ولقد اهتم أئمة أهل البيت (ع) بهذه التفاصيل الدقيقة اهتماما كبيرا جدا. لاحظوا الزيارات، الزيارات إلى ماذا تهدف؟ واحد من أغراضها المهمة: أنها تصنع هذا التفاعل. فعندما تأتي وتقف أمام قبر الحسين - بلغنا الله وإياكم زيارة قبورهم - فتقول: "لَبَّيْكَ أَبَا عَبْدِالله، لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللهِ، لَبَّيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ سَمْعِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَلِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَفُؤَادِي". فأنا ما كنت موجودا في ذلك الزمان، فهذا نصيبنا وحظنا إذ لم يسمح لنا أن نكون في ذلك الموقف.
قد أخِّرنا عنه. لذلك ما استطعت أن أسمع صوتك مباشرة بأذني هاتين، ولا أن أجاوبك بلساني إجابة مباشرة، لكن لم ينته الموضوع، فقلبي لا يزال ينبض بحبك ويتحرك بالميل إليك، فقد أجابك قلبي وفؤادي. وهذه أول مرحلة من مراحل النصرة: التعاطف والميل، ولهذا درجات من البكاء والحزن. ولعل الذي حفظ هذه القضية عند أكثر الناس هو هذه الدرجة. فربما درجات أخرى - كما سنتحدث عنها - لا يستطيع الكثير من الناس الإتيان بها. لكن هذه أقل درجة، والكل يتمكن منها. هذه أول درجة من درجات النصرة. درجة ثانية: درجة تطبيق الأوامر والتوجيهات. فكما قلنا قبل قليل، توجد بعض القضايا، هي قضايا شخصية، مربوطة بزمان معين، بمكان معين، وهذه لا يمكن للإنسان أن يفعل فيها شيئا، فلا يمكن أن نرجع إلى
سنة ٦١، وأن نسمع كلام الحسين مباشرة، وأن نرفع السيف بين يديه. هذا صحيح. ولكن للإمام الحسين (ع) مجموعة هائلة من التوجيهات، من الأوامر، من الأفكار، التي لا ترتبط بوجود الإمام. "إِنِّي لَا أَرَى المَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَمَا"، فليست مربوطة هذه بالإمام، بل موجودة إلى الآن. "هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَة يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولَهَ"، ليست مربوطة هذه بوجود الإمام، ففي كل زمان: "إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي" وهذه أيضا ليست مربوطة فقط بزمان الإمام، فليس الإصلاح لا ينبغي إلا هناك، وإنما في كل الأزمنة. نعم، هناك بعض الأمور البسيطة التي ترتبط بحضور الإمام المعصوم على المشهور، فعند الشيعة، مثلا: ما ذكروه في باب الجهاد الابتدائي. فالجهاد الابتدائي، على المشهور، عند علماء الشيعة، لا يصح
أن يبدأ به إلا في حال حضور الإمام المعصوم، أما في غير حضوره، فالمشهور يقول: لا، لا يوجد جهاد ابتدائي.إقامة كل الحدود، فعلى المشهور أنه: يتم في زمان الإمام المعصوم، وإن كان قسم من العلماء يقولون: لا، حتى لو قامت دولة شرعية، فتقام أيضا الحدود. قضية صلاة الجمعة ووجوبها التعييني والعيني. وهذا أيضا يقولون إنه في زمان الإمام المعصوم. ما عدا ذلك من الأحكام، سائر الأحكام الشرعية التي ترتبط بحضور الإمام ظاهرا. ولذلك نحن نتعجب عندما يقول بعض مخالفي المذهب: أن الشيعة مثلا عطلوا أمورهم وقضاياهم إلى حين ظهور الإمام صاحب العصر والزمان وخروجه. فنحن لا نرى تعطلا عندنا في شيء أصلا. ما يقوم به غيرنا، نقوم به. بل نزيد عليهم في كثير من الأمور. نعم، هناك بعض القضايا التي
لا بد فيها - على رأي المشهور أيضا، وإن كان هناك بعض العلماء يخالفن في هذا - من حضور الإمام المعصوم. فإذن أكثر التوجيهات، وعموم الوصايا والأوامر والأحكام الشرعية، لا ترتبط بزمان الإمام ذاك، وإنما بكل الأزمنة. فعندما نطبق هذه الأوامر والأحكام في حياتنا الشخصية، في حياتنا الأسرية، في حياتنا الاجتماعية، في حياتنا السياسية، لا ريب هذا من نصرة الإمام أيضا. ومستوى ثالث، وهو: التبشير بآراء ومنهج وأفكار الإمام الحسين (ع) للعالم. إن شاء الله يكون لدينا حديث حول ما يجري، مما يسمى: بالربيع العربي. ونرى بعض المقارنات بينه وبين القضية الحسينية. ويتبين من ذلك أن جزءا بسيطا من فكر الإمام الحسين (ع) عندما توغل في الأمة، تغيرت. فكيف لو نشر فكر الإمام الحسين كله؟! وعندما زالت عن قسم من