فهذا يؤدي بك حسب هذا الحديث إلى نار جهنم. وهذا قد فهمه المسلمون. البارحة، نحن ذكرنا عن سعد بن الربيع، أن النبي بكى عليه، وهو من خيرة وخُلَّص الأصحاب. فهذا أصيب في غزوة بدر. حيث قال النبي لمن حضر من أصحابه: "مَنْ يَسْتَعْلِم لَنَا خَبَرَ سَعَد". اذهبوا وانظروا ما هو وضعه؟ أين هو؟ في الجرحى؟ في الشهداء؟ وكان هو زعيم عشيرة من الأنصار. فذهب أحد أبناء قبيلته. يقول: فوجدته وبه رمق من الحياة، أي بقي له شيء بسيط، فالتفت إلي وقال: يا فلان، "أَوَرَسُولُ اللهِ بِخَير؟" رأيته ينزف، وفي آخر رمق من حياته، ويسأل عن رسول: "أَوَرَسُولُ اللهِ بِخَير؟". قلت له: نعم، هو بخير. فقال: "الحَمْدُ للهِ، مَا عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ مِنْ أَسَفٍ". أي ما دام النبي سالم،
لا يتأسف على شيء أبدا. ثم قال لي: "يا هذا بلغ قومي عني"، وأنا في آخر لحظات حياتي، "أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَكُم عِنْدَ اللهِ، إِنْ شَاكَتْ رَسُولَ اللهِ شَوْكَةً وَفِيكُم عَيْنٌ تَطْرُف". ليس أن يصاب النبي، بل إذا شوكة تصيب النبي، وفيكم أحد حي يحرك عينيه. فأنتم لستم معذورين أمام الله سبحانه وتعالى. ففهم هؤلاء المسلمون أن من واجبهم أن ينصروا نبيهم، ووليهم، وأن يفدوا أنفسهم، وأن يضحوا بين يديه؛ حتى لا يصيبه ضرر أو مكروه. الآن ماذا عن نصرة الإمام الحسين (ع)؟ نصرة الإمام الحسين - وهو الإمام المعصوم من أهل البيت سلام الله عليهم - لها أشكال متعددة، فلا تتصور أن نصرة الحسين كانت فقط في يوم عاشوراء، كلا. فغاية النصرة: الاستشهاد بين يديه، ولكن هذه النداءات التي
يطلقها الإمام الحسين (ع)، "أَمَا مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا"، هذه ليست نداءات محدودة بزمان. هناك بحث عند العلماء، أشير له إشارة، يقولون فيه: أن هناك بعض القضايا، قضايا شخصية، يسموها: قضية في واقعة. يعني مثلا: النبي أو الإمام يريد أن يحل مشكلة أحد، فيقول له كلام، مثل: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ". فيأتي أحدهم متنازع مع أبيه على أموال، فالنبي يريد أن يحل مشكلة هذا الولد الذي يؤذي أباه من أجل عشرة دراهم، فماذا يقول له هنا؟ يقول له: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ". هذه يقولون قضية في واقعة، قضية شخصية، يعني ليس كل إنسان هكذا. فلا يستطيع الأب اليوم أن يأخذ راتب ولده، ويقول له: لأن النبي قال: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ". فإذن الشركة خاصتك هذه كلها إلي. هذا خطأ، ليس صحيحا، لا يجوز للأب
أن يأخذ مال ابنه، فغير جائز هذا. إلا إذا كان فقيرا، فيجب على الولد الغني إنفاق ماله على أبيه الفقير أو على أمه الفقيرة. ولكن لو فرضنا أحدهم غني، والأب غني، وولده عنده شركة، فيأخذ حساباته كلها، ويقول: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ"، لا، هذا حرام شرعا، لا يجوز. إذن ماذا تقول هذه الرواية الموجودة عند السنة والشيعة؟ "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ". العلماء هنا ماذا يقولون؟ يقولون: هذه قضية في واقعة، قضية شخصية. فالنبي يريد أن يحل مشكلة هذين الاثنين، فيقول كلاما خاصا بهما، وليس عاما إلى كل الناس. ولكن أكثر الروايات والتوجيهات من النبي ومن المعصومين (ع)، ليست هكذا، الروايات والتوجيهات كلها عامة لكل الناس، إلا عددا قليلا نسميه: قضية شخصية، قضية في واقعة. فإذا جاءت مثلا، "أَمَا مِنْ نَاصٍرٍ يَنْصُرُنَا"، وما
شابه ذلك، فالمفروض أن النصرة مستمرة وقائمة ودائمة، وليست مربوطة فقط بذلك الزمان. نعم، بعض درجاتها، مثل الاستشهاد بين يدي الحسين، مربوط بتلك الواقعة التاريخية، أما باقي الدرجات فهي موجودة إلى الآن. مثلا: الدرجة الأولى، التعاطف والتفاعل العاطفي مع قضية الحسين (ع). هذا من الأمور التي وردت في الروايات أنها نصرة له. يعني: أنت لما تتفاعل وجدانيا، تميل بقلبك إلى هؤلاء، تتفاعل مع الحسين ومع قضيته، تبكي لأجل مأساته، فأنت تقوم بدرجة من درجات النصرة. ولا تتصور أن هذا أمر بسيط. فقسم من الناس - مثلا - يهوِّن أمر البكاء، فماذا قيمة البكاء؟ لا، البكاء مهم. ماذا قيمة العاطفة؟ العاطفة مهمة جدا. ماذا قيمة العزاء؟ العزاء مهم جدا. لماذا؟ لأنه يحقق أول درجة من درجات النصرة. وهي: التفاعل العاطفي مع