نصرة الحسين : بحث في المفهوم

نصرة الحسين : بحث في المفهوم
00:00 --:--

نصرة الحسين بحث في المفهوم


كتابة الاخت الفاضلة امجاد عبد العال

روي عن سيدنا ومولانا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، أنه قال: "وَاللهِ لَا يَسْمَعُ وَاعِيَتَنَا أَحَدٌ ثُمَّ لَا يَنْصُرنَا إِلَّا أَكَبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ" صدق سيدنا ومولانا أبو عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. على سبيل المقدمة، ينبغي أن نشير إلى أن النصر والنصرة قد تأتي في القرآن الكريم تارة بعنوان: فعل النصر، وتارة بعنوان: نتيجة النصر، أي الانتصار. فمرة مثل الآية المباركة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ)، فنصر الله هنا نتيجة غلبة المؤمنين، فيحدث الانتصار، يحدث النصر. وهذا يسمونه العلماء، النصر: كاسم مصدر، الاسم المصدري، يعني: الانتصار. وتارة أخرى: الفعل نفسه، يعني القيام بالنصر، نصرة الله للمؤمنين، وهذا ما يعبر عنه العلماء بأنه: المعنى المصدري. ففي القرآن الكريم، عندما نتتبع هذه الكلمة، نجد أن هناك وعدا بل

حقا، جعله الله للمؤمنين على نفسه، فقال: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِين). يعني: إعانتهم حتى يصلوا إلى النصر. فالله سبحانه وتعالى أوجب على نفسه بعض الأشياء من غير موجب. فأوجب على نفسه الرحمة: (كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة)، فما جاء أحد وأوجب على الله أن يرحم. ولكنه هو كتبها على نفسه. كتب للمؤمنين، وجعل للمؤمنين حقا لهم أن ينصرهم: (وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ المُؤْمِنِين)، فهل هناك من موجب على الله؟ كلا. هل هناك استحقاق؟ ليس بالضرورة. إنما ربنا سبحانه وتعالى - بمنه ولطفه وعطفه ورحمته - أوجب على نفسه أمورا: إما لعامة العباد، أو لخصوص فئات منهم، كالمؤمنين مثلا، كما هنا.هذا النصر الذي كتبه الله سبحانه وتعالى، هذه الإعانة، فبطبيعة الحال لا يتخللها استثناء، لا يغلبها غالب، لا يردها راد:

(إِنْ يَنْصُرْكُم اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُم)، أو (وَنَصْرَنَاهُم فَكَانُوا هُمُ الغَالِبِين). فهذا حق من قبل ربنا سبحانه وتعالى، جعله للمؤمنين. ولعلك تقول: هذا لا نراه دائما، فمتى يحدث؟ هذا بحكمته. فأصل الحق ثابت. ولكن متى، وكيف، وأين، هذا بحكمة الله، وبتدبيره، يؤخره ساعة يشاء ويقدمه ساعة يشاء، وكل يجري بحسب الحكمة. لكن الإنسان المؤمن ينبغي أن يكون دائما مملوءا بشعور أن الله سبحانه وتعالى، ما دام ناصره فلا غالب له، وأن العاقبة له، وأن المستقبل له، وأن النتيجة في صالحه. فإن العاقبة للمتقين. هذا أول ما نواجهه في مراحل النصر، في القرآن الكريم، نصر الله سبحانه وتعالى لعباده. فهناك مرحلة أخرى، أيضا نلاحظها في القرآن الكريم، وهي وجوب نصر المؤمن لمنهج الله ولرسول الله عز وجل. فالله ينصر المؤمنين، إذ

جعل على نفسه ذلك. ولكن أيضا في نفس الوقت، أوجب عليهم أن ينصروا منهجه، أن ينصروا رسله، ان ينصروا قادة دينه. (إِذَا قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَم لِلْحَوَارِيِّين مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّون نَحْنٌ أَنْصَارُ الله). فهناك واجب على المؤمنين أن ينصروا منهج الله، فلا يصح أن يتوقعوا نتيجة النصر، وهم قاعدون! ولا يصح أن يتوقعوا نتيجة الفتح وهم متقاعسون. وهذه ليست القاعدة أبدا. فهذه: الانتصار مع القعود، قاعدة إسرائيلية، (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ). عكسها المقداد بن الأسود بن الكندي - فيما تعلمون - في حديثه مع رسول الله (ص)، عندما كان النبي يتهيأ، ويهيئ المسلمين لمعركة أحد. جمع المسلمين في المدينة، الأكثرية أنصار، وأقلية مهاجرين، وقال لهم: "هَذِهِ قُرَيشُ قَدْ انْبَعَثَتْ"، وقادمة لكم، فماذا نصنع؟ نبقى

في المدينة، أو نخرج لقتالهم. ثم أصحاب رسول الله قاموا وقالوا كلاما غير جيد، كلاما فيه تخذيل، كلاما فيه إماتة للروح المعنوية، فلم يسر به رسول الله (ص). فقام المقداد بن الأسود الكندي، وقال: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَال بَنُو إِسْرَائِيل لِنَبِيِّهم: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون)، وَلَكِن نَقُولُ لَكَ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُم مُقَاتِلُون". هنا سر النبي (ص). ولما قام أيضا سعد بن معاذ وقال كلاما جيدا. قال: "إِنَّ اللهَ وَعَدَنِي إِحْدَى الحُسْنَيَينِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ أَبِي جَهْلٍ بْنِ هِشَام، وَعُتْبَة بْنُ رَبِيعَة، وَشَيْبَة" وفلان وفلان. فكما أن الله سبحانه وتعالى، جعل على نفسه، أن ينصر المؤمنين، وأخبرهم بأن نصره لا استثناء فيه، ولا أحد يقف أمامه، وأنه خير الناصرين،

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة