الحسين وارث الأنبياء

الحسين وارث الأنبياء
00:00 --:--

النظر إلى عاشوراء، يمكن أن يكون بأكثر من وسيلة. فتارة ينظر إلى عاشوراء على أنها أحد أنواع الفلكلور المحلي لفئة من الناس. ففي كل بلدان العالم، يوجد فلكلور، عادات، تقاليد شعبية، يمارسونها. قد لا يكون فيها – بالضرورة - مضمونا ثقافيا، ولا أمرا يمكن أن ينفع الآخرين، لكن هو جزء من شخصية تلك المجتمعات. هذه نظرة.

النظرة الأخرى: أن يكون عاشوراء مناسبة لإعلان الانفصال، لإعلان الاستقلال، لإعلان التجزئة عن باقي الأمة. بأن يقوم قسم من الناس، فيقولون: نحن منفصلون، نحن لنا عاداتنا، لنا طرقنا، لنا أساليبنا، فهذه نظرة أخرى. وكلا النظرتين، لا تتمتع - فيما نعلم - بتأييد روح عاشوراء. روح عاشوراء: أنها دعوة للأمة ككل. فأنت ينبغي أن تنفتح على الأمة، في أفكارك، وأن تستقطب الناس إلى دعوة الحق، ودعوة الخير، ودعوة الإصلاح؛ لأن الحسين بن علي (ع)، لم يثر لأجل أهل بيته، بني هاشم، ولا لأهل المدينة التي كان يعيش فيها، ولا لشيعته المحدودين، لا للإطار الخاص، وإنما قال: "إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلِبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي". بل في موقع آخر، هو: نداء إنساني، سوف يأتي الحديث عنه أيضا.

فالمرحلة الأولى: أن الإمام الحسين (ع) يريد الإصلاح، ليس على مستواه الشخصي، ولا العائلي، ولا البلدي المحدود، ولا الشيعي الخاص، وإنما على مستوى كل أمة الإسلام. من الذي لا يرغب من أمة المسلمين في الإصلاح؟ من الذي لا يتعشق الحق؟ من الذي لا يريد الإنصاف؟ من الذي إذا قيل له: "أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَإِلَى البَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ"، من هو ذلك الذي يقول: لا يهمني الأمر في قليل أو كثير؟ إذا كان صاحب فكرة وعقلية، وكان سوي التفكير، يشارك في هذه الدعوة، يعين فيها.

فالإصلاح مطلب عقلي أولا، ثم هو مطلب ديني. فعقل الإنسان بما هو يدرك أن الفساد قبيح، منفور، متروك، يدرك أن الظلم لا ينبغي أن يسعى وراءه، ولا ينبغي أن يؤيد. وقد جاء الدين وأكد على هذه القيم. فحتى لو ما كانت لدينا توجيهات دينية في الإصلاح، وفي محاربة الظلم، كان عقلنا يهدينا إلى قبح الظلم، وحسن العدل، والإصلاح، والإنصاف، وكنا نتبع الحكم العقلي. فالدين جاء مؤيدا لذلك ومؤكدا عليه.

فالنظرة الثالثة، هي النظرة الصحيحة. فلنجعل من عاشوراء – أيها الأخوة، أيها الأخوات، أيها الأحبة جميعا – فرصة للالتفاف حول القيم من قبل كل أبناء الأمة على اختلاف مذاهبها، ومشاربها، وتوجهاتها. مثلما أننا وجدنا في معركة عاشوراء، كان هناك، جون، وهو عبد بحسب التصنيف، زنجي، في مرتبة اجتماعية لم يكن يتعامل معها العرب آنئذ تعامل الأحرار. عبد زنجي شارك في نصر العدل وقضية الإصلاح. إلى جانب من؟ إلى جانب نفس الحسين الذي هو ابن خير أهل الأرض، ابن رسول الله (ص). شاركا معا في القتال. فذلك الذي رافق الحسين من أول المسيرة، وذاك الذي توجه في آخر لحظة، لما اشتبك القوم، وخطب الإمام الحسين (ع) - كما سنأتي فيما بعد على ذكر هذا - وبين لهم بعض الحقائق، فانتهى إلى عسكره الحر بن يزيد الرياحي، وعمر بن سلمة الأنصاري، وأخوه أبو الحتوف، وآخرون، في اللحظة الأخيرة، واستشهدوا في ذلك المكان. حتى هذا الشخص أيضا ينبغي أن ينظر إلى أنه شريك في الإصلاح، وينبغي أن يخاطب الآخرين على أنه شريك في ذلك.

عاشوراء قيم عندما نجدد الذكرى، إنما نجدد الانتماء والولاء للقيم الحقة، للقيم الكبرى، للمبادئ التي نحتاجها اليوم. وفي كل يوم. فالحق ليس مؤطرا بزمان، والعدل ليس مؤطرا بزمان، والمحبة ليست مؤطرة بزمان. فهذه المبادئ وأمثالها إنما هي خط مستمر. ينبغي - أيها الأخوة، أيتها الأخوات، أيها الأفاضل جميعا والفاضلات - أن ننظر إلى عاشوراء، لا على أنها فلكلور، فإن الحسين (ع) أعز وأكرم من أن يضحي ببدنه الشريف، وبنفسه الكريمة؛ لكي تُحوَّل إلى تقليد، وإلى فلكلور، وإلى عادات. هو أكبر من ذلك.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة