نبي الله موسى خاف من غلبة الجهال، من دول الضلال، والحسين سلام الله عليه، يتمثل هذا الموقف، لكي يقول: أنا لست خائفا على نفسي. ولو كان يخاف على نفسه، كانت المسافة بين خروجه من المدينة، في ٢٧ رجب، وبين شهادته في يوم عاشوراء. أكثر من ١٥٠ يوم من الزمان، فكان يستطيع في أي يوم من الأيام أن يتراجع عن ذلك. وأن يتوقف. وبالتالي لا يحصل له مكروه أو فاجعة. إنما كان الذي يؤرقه حال المسلمين، حال الإسلام، لقد قالها: "وَعَلَى الإِسْلَامِ السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيد".
الإسلام هنا ينتهي، الشريعة تنتهي، الظلم يكون هو القاعدة في بلاد المسلمين. أي يتشرعن الظلم آنئذ، وآنئذ لا يبقى للإسلام الذي جاء بقيم العدالة، والإنصاف، أثر في حياة الناس. فتمثل الحسين بموقف موسى (ع).
نجده أيضا، يتمثل موقف نبي الله إبراهيم، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام. نبي الله إبراهيم الذي أكمل درجات التكامل البشري، وأتم الكلمات، وتخطى الامتحانات واحدا بعد واحد. عندما ابتلى إبراهيم ربه بكلمات وأتمهن. وكلمات: ليست كلمات لفظية، وإنما هي عبارة عن اختبارات، امتحانات، صلابة النفس، قوة الإيمان، القدرة على تقديم أوامر الله على كل شيء، إلى أن وصل إلى: (نِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى)، قال: (سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، كان هذا أمرا امتحانيا، كان هذا أمرا اختباريا. يراد منك أن تفصل قلبك عن بدنك، وأن تعلِّقه بالله عز وجل. ألا ترى فوق أمر الله عاطفة، ولا مشاعر، ولا أمر، ولا رابطة، إنما هو أمر الله عز وجل. هذا الذي ينبغي أن تراه، وأن تنظر إليه.
هنا يتمثله الحسين في كربلاء، عندما يمشي في الطريق، وإذا به يغفو قليلا، فيستيقظ ويقول: "إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُون". يقول علي الأكبر: "لِمَا اسْتَرْجَعْتَ يَا أَبَا؟"، فهذا ذكر طيب، ولكن هل هناك مناسبة؟ فقال: "عَنَّ لِي هَاتِفٌ يَقُولُ: القَوْمُ يَسِيرُونَ وَالمَنَايَا تَسِيرُ بِهُم". فهنا تتكرر المعادلة بشكل آخر. "أَوَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ؟"، قال: "بَلَى". "وَالَّذِي إِلَيهِ مَرْجِعُ العِبَادِ، إِذَنْ لَا نُبَالِي، وَقَعْنَا عَلَى المَوْتِ، أَوْ وَقَعَ المَوْتُ عَلَينَا". المنية أمامنا أو نحن أمام المنية، لا يهم. الموت قدام مطايانا أو هو خلف مطايانا، لا يهم. ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي. فشابه في هذا الموقف: في فدائه، بأن قدم خير البنين من الأكهلين إلى الرضع، كما يقول الشاعر الجواهري.
الإمام الحسين (ع) كان يتمثل في موته بيحيى بن زكريا، عندما قيل له وهو خارج من مكة المكرمة، بل عندما هدد بالقتل، في يوم عاشوراء، قال: "هَلْ يَعْدُو بِكُم الأَمْرَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟" أكثر من هذا ماذا يجري؟ "أَنَّ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّ رَأَسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا قَد أُهْدِيَ إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيل، بِيَدِ ظَالِم ٍمِنْ ظَلَمَتِهَا، فَلَسْتُ بِدْعًا فِي هَذِهِ الجِهَةِ"، أي أيضا تكرر التاريخ مرة أخرى، لكي يحمل رأس ابن بنت رسول الله - سلام الله عليه وعلى ابنه - في طشت؛ لكي يقدم إلى الخلافة الأموية، التي مع الأسف، نجد بعض الخاطئين في هذا الزمان، يدافع عنها.
فهناك بغي من بغايا بني إسرائيل، تحرك ظالما، طاغيا؛ لكي يقتل نبيا مرسلا من قبل الله عز وجل. وهنا الشهوات والأهواء تحرك طاغية؛ لكي يقتل الحسين (ع)، ويقدم رأسه في طشت إلى طاغية زمانه. فهذا يحيى، وهذا الحسين.
وهكذا، المشاكلة والمشابهة بين الحسين وبين جده المصطفى محمد (ص). ويكفينا ما روي عن الرسول (ص) في قوله: "حُسَينٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَين"، أنا من حسين امتدادا، واستمرارا، وتجسيدا، ودعوة. قما الذي يمكن في هذا الزمان أن نستفيده من عاشوراء؟