الحسين وارث الأنبياء

الحسين وارث الأنبياء
00:00 --:--


الحسين (ع) وارث الأنبياء + المقتل

 

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

ذات يوم وقف نبي الله إبراهيم (ع) بجوار الكعبة، ودعا ربه بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذلك المكان. وكان وحيدا، فرفع صوته: أيها الناس، ألا هلم الحج، وأذن. كما حكى القرآن الكريم، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). ولم يكن في ذاك الزمان أحد حول المنطقة، لكنه رفع نداءه مطالبا الناس، وداعيا الناس إلى الحج. وكان وحيدا، وطلب من ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إلى هذا المكان. فكان ما كان بعد هذا الزمان، عندما ازدحمت هذه المنطقة، على جشوبتها، وخشونتها، ووعورة مسالكها، فاحترمها الموحدون، وقدرها حتى الوثنيين.

كان في يوم من الأيام، واحدا، وأنت اليوم تضطر لئن تقلل الحج؛ لأن المنطقة لا تتسع؛ ولأن المناسك تضيق عن أهلها؛ ولأن الناس قد استجابوا لدعوة نبي الله إبراهيم - على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام - وجاؤوا على كل ضامر، وبكل وسيلة، وبأي أسلوب، من أقصى بلاد الدنيا، استجابة لنداء الله الذي بلغه نبي الله إبراهيم.

وفي يوم آخر، وقف الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، بعد أن فني أصحابه، وبعد أن تفانى أهل بيته، لكي ينادي: "أَلَا مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا، أَلَا مِنْ مُعِينٍ يُعِينُنَا، أَلَا مِن ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ دِينِ اللهِ، عَنْ حُرَمِ اللهِ، عَنْ حُرَمِ رَسُولِ اللهِ".

وكان الحسين في ذلك اليوم وحيدا. ومرت الأيام، فإذا بهذه الملايين الزاحفة، مشيا، وعلى كل ضامر، وبكل وسيلة، حتى ضاقت تلك الأرض عن أهلها. يتحدثون عن الملايين في مدينة صغيرة، وبلدة ضئيلة، كانت مصداقا أيضا لقوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ). هذا هو الحسين يلبي نداءه الملايين، بل عشرات الملايين في عالمنا الإسلامي. لا تجد شخصية لها من التأثير، والحضور، والقوة، والجاذبية، بعد رسول الله (ص)، كشخصية الحسين، كشخصية أبي عبد الله. سلام الله عليه.

ها هو يحرك الجموع، باتجاه الالتئام، والالتحام، والتواصل، يحرك الجموع باتجاه الثورة على الظلم، يحرك الجموع ألا يقبلوا حكم ظالم، ولا سلطة غاصب، مهما كانت العناوين، ومهما كانت الرايات. استجابة لما سمعه من رسول الله (ص): "مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ، عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيهِ بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ، كَانَ حَقُّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ"، أي مدخل ذلك السلطان الجائر.

الحسين (ع)، وارث الأنبياء، مكمل خط الأنبياء. لاحظوا، في مسيرة الإمام الحسين (ع)، كان يتحرك ويتمثل موقف نبي من الأنبياء. فعندما خرج من المدينة المنورة قاصدا إلى مكة المكرمة، تمثل بقول الله عز وجل، في وصف نبي الله موسى بن عمران (ع): (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ). الخوف، ليس خصلة حسنة، فلماذا يصف القرآن النبي بأنه خائف؟ لماذا يتمثل الحسين بآية فيها الخوف؟ والشجاعة هي المطلوبة، الجرأة هي المطلوبة، لكن تفسرها آية أخرى، في القرآن الكريم: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ). فهناك فرق بين أوجس على نفسه خيفة، وبين أوجس في نفسه خيفة. يوجس في نفسه خيفة على شيء آخر. ما هو هذا الشيء الآخر؟ نجد تفسيره في نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي (ع)، عندما يقول: "لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَسَ خِيفَةً مِنْ دُوَلِ الضَّلَالِ، وَغَلَبَةِ الجُهَّالِ"، كان يخشى نبي الله موسى أن يبقى الحكم الفرعوني مسيطرا على الناس، فتحصل الضلالة، ويستمر الانحراف. هذا الذي يخيف نبي الله موسى، فهو لا يخاف على نفسه، وإنما يخاف في نفسه من سيطرة الطواغيت، يخاف في نفسه من غلبة الجهل، وسيطرة الخرافة. هذا الذي يخيف النبي والإمام والداعية والمصلح. لا يخاف على نفسه، ولو كان يخاف على نفسه لما بدأ في هذا المشوار.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة