الحسين، نفسه العالية كانت تتسع لكل البشر، لخير البشر، فلا ينبغي أن نؤطره في حدود أسرته، أو كما يصنع بعض الناس أحيانا من جعل الأمر كأنما صراع بين عائلتين: بني أمية، وبني هاشم، فهؤلاء تصارعوا وتعاركوا، ولهم تاريخ من الصراع والمعركة. ليس الأمر هكذا. فالقضية قضية قيم، والقيم مستمرة، ولها تنسُّلات في كل وقت من الأوقات.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أداء رسالة الحسين، وأن يجعل الحسين - كما هو - جامعا لما تشظى من الأمة، ولما تفرق من طاقات أبنائها. ليكن موسم عاشوراء، يعبر عنه بتعبيرات مختلفة، في كل الأماكن الإسلامية، كل بطريقته وأسلوبه. فالمهم أن يهتدى إلى القيم التي أعرب عنها الحسين (ع)، وجاهد في سبيلها، وفجر في سبيلها نهضته المباركة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك.
والقضية أيها الإخوة صعبة، حقيقة صعبة. فأنت تارة تصعد إلى تل، ولا تحتاج إلا إلى بذل شيء من الجهد، وتارة أخرى تصعد جبلا يناطح السماء، وهذا يحتاج إلى عزيمة قوية، وإلى فعل كبير. فالإمام الحسين (ع) جسد هذه القيم: في الصبر، الشجاعة، الوفاء، احترام الآخرين، نصرة الدين، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، مناهضة الظلم. وكل واحدة من هذه القيم فيها تكاليف كثيرة، يحتاج الإنسان أن يصمم على أن يقتدي بها وليعلم أن الأمر عسير وصعب.
نكتفي بهذا المقدار، لا نطيل عليكم. وننتقل إلى ذكر المأساة. فهذا جانب العبرة وجانب الفكرة، فننتقل إلى جانب المأساة حتى ننظر إلى ألم الحسين (ع)، وننظر إلى ما الذي حدث لهذا الإمام العظيم، والسبط الكبير.
يقول المؤرخون: أصبح الحسين يوم عاشوراء، فصف أصحابه، ثم بدأ بخطاب جيش بني أمية، وقال: "أَيُّهَا النَّاس"، فبدأ بعضهم يصنع لغطا، ويدق على الدروع؛ حتى لا يُسمع صوته، فقال لهم: "مَا عَلَيكُم أَنْ تَسْمَعُونِي". اسمعوا كلامي، ثم بعد ذلك فكروا فيه، إن شئتم أن تقبلوه أو ردوه، فبدأ ينصحهم ضمن هذه الخطبة.
"أَيُّهَا النَّاس، الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَزَوَال. مُتَغَيِّرَةً بِأَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَال. فَالمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، وَأَرَاكُم قَدْ اجْتَمَعْتُم عَلَى أَمْرٍ أَسْخَطْتُم فِيهِ رَبَّكُم وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الكَرِيمِ عَنْكُم. فَنِعْمَ الرَّبُ رَبُّنَا وَبِئْسَ العَبِيدُ أَنْتُم. آمَنْتُم بِاللهِ وَأَقْرَرْتُم بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٍ". اللهم صل على محمد وآل محمد.
فالإمام هنا يريد أن يقول: أنتم بحسب الظاهر هكذا، مؤمنون بالله، ومقرون بما جاء به النبي محمد، وهذا يتطلب العديد من الأمور. "ثُمَّ أنَّكُم عَدَوْتُم عَلَى آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، تُرِيدُونَ قَتْلَهُم، وَيْلٌ لَكُم وَلِمَا جِئْتُم بِهِ. هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوْا بَعْدَ إِيمَانِهِم، وَهَمُّوْا بِمَا لَمْ يَنَالُوْا فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين. أَيُّهَا النَّاس انْسِبُونِي مَعْرِفَةً مَنْ أَنَا، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَحْسَابِكُم وَأَنْسَابِكُم، فَانْظُرُوْا هَلْ يَحِلُّ لَكُم قَتْلِي وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِي، أَوَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُم. وَابْنَ وَصِيِّهِ، أَوَلَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمَّ أَبِي، أَوَلَيْسَ جَعْفَرُ الطيَّارُ عَمِّي، أَوَلَمْ يَبْلُغْكُم مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ لِي وَلِأَخِي الحَسَنِ: "هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي، فِيمَا أَقُولُ وَهُوَ الحَقُّ، وَاللهِ مَا تَعَمَّدْتُ الكَذِبَ، مِذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَمْقُتُ أَهْلَهُ، وَيِحَاسِبُ مَنْ ارْتَكبَهُ. وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُم مَنْ إِذَا سَأَلْتُمُوهُ أَخْبَرَكُم. سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ الأَنْصَارِي، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَم، يُخْبِرُوكُم أَنُّهُم سَمِعُوا هَذِهِ المَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ فِيَّ وَفِي أَخِي الحَسَنِ. وَيْحَكُم، أَمَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُم عَنْ سَفْكِ دَمِي، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتي". فأصبحوا لا يكلمونه، ولا يجيبونه.
فقام قيس بن الأشعث. وقال: "يَا حُسَينُ إِنْ تُسَلِّمَ لِبَنِي عَمِّكَ فَإِنَّهُم لَنْ يُرُوكَ إِلَّا مَا تُحِبُّ". قال الحسين: "أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ"، يعني محمد بن الأشعث، "أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَكَ بَنُو هَاشِمَ بِأَكْثَرِ مِنْ دَمِ مُسْلِم بْنِ عَقِيل، فَإِنْ نُهْزَمُ فَهَزَّامُونَ قُدُمًا وَإِنْ نَغْلِبُ فَغَيْرَ مُغَلَّبِينَ. ومَا َإِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ، مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَ. إِذَا مَا المَوْتُ رَفَّ عَنْ أُنَاسٍ، كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَ". ثم رجع إلى موضعه.