وفي ليلة الحادي عشر من محرم كربلاء تلملم احزانها لنرى تجليات جديدة فهذه صلاة ثالثة سجلها التأريخ وهي صلاة الليل التي أدتها السيدة زينب عليها السلام وهي إلى جسد الحسين في ليلة الحادي عشر من محرم ، إلا أنها لم تستطع أن تصليها من قيام بسبب ماجرى عليها من الآلام والمصائب التي مرت بها، فصلتها من جلوس. فقد روي عن الإمام زين العابدين قوله: (ما رأيت عمتي تصلي الليل عن جلوس إلا ليلة الحادي عشر).
نظراً لوجود قيمة استثنائية لكل واحدة منها نرى التاريخ قد سجلها وإلا فالصلاة هي ديدن الحسين وأصحابه.
وهنا أورد لكم لفته بسيطة وهي في مقولة الشيخ محمد جواد مغنية : ( وأي شيء أدل على هذه الحقيقة من قيامها بين يدي الله للصلاة ليلة الحادي عشر من المحرم ، ورجالها بلا رؤوس على وجه الأرض تسفي عليهم الرياح ، ومن حولها النساء والأطفال في صياح وبكاء ودهشة وذهول ، وجيش العدو يحيط بها من كل جانب . . إن صلاتها في مثل هذه الساعة تماماً كصلاة جدها رسول الله في المسجد الحرام ، والمشركون من حوله يرشفونه بالحجارة ، ويطرحون عليه رحم شاة ، وهو ساجد لله ( عز وعلا ) ، وكصلاة أبيها أمير المؤمنين في قلب المعركة بصفين ، وصلاة أخيها سيد الشهداء يوم العاشر والسهام تنهال عليه كالسيل.) ( مع بطلة كربلاء ) مغنية ص ٤٢
وبذلك أعطى الإمام الحسين للأمة درساً في وجوب المحافظة على الصلاة، والإتيان بها في الشدة والرخاء، في السروالعلن ،في السلم والحرب، في القوة والضعف، فالصلاة هي عمود الدين التي لا تترك بأي حال من الأحوال.
من هو الممكَّن ؟ وماهو دوره؟
نحن في حديثنا الآن ننطلق من هذا المعنى ، وأن هناك مسؤلية على الإنسان الذي ينفذ أمره ويسمع قوله في مكان ما أن يسعى لإقامة الصلاة وليس أن يصلي فقط.
ولنأخد مثالاً لتوضيح المعنى ، وليكن في في مجتمعنا البسيط . نجد الأب يقول أنا أصلي في البيت و أولادي يروني وأنا أصلي وأهل بيتي أيضاً يروني أصلي ، ماذا يتوجب عليَّ أن أفعل أكثرمن ذلك ؟ نقول له أيها الأب العزيز وأنت في هذا المقام من الممكن لك ولكلمتك أن يكون لها نفوذ بدرجة من الدرجات، فهنا تنطبق عليك الآية المباركة (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ ) ٤١ الحج.
أي جعلوا الآخرين يقومون و يأدونها ، ليست القضية أن تتمكن من إقامتها أو لا ولكن توجيه الآخرين لإقامتها وأمرهم بالمعروف ، وتوجيههم لإقامتها يحتاج لتوجيه وتمكين ، وهذا ماصرح به القرآن الكريم فيقول لك هنا دورك أيها الأب فقوامتك في منزلتك ينطبق عليك فيها التمكين.
وأنت أيها المدير سواء كنت في مدرسة فأنت في موضع سلطة فلو منحت عشر دقائق لإقامة الصلاة وأدائها لمن هم تحت كلمتك عند حلول وقتها هنا ينطبق عليك قول الله عزوجل :(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ ) ٤١ الحج.
لاتقل أنا لست معنيا بالأمر أو تفكر بأنك إذا أعطيت عشردقائق للصلاة فإنك ستصل لمنزلك متأخراً ، لا فأنت عليك التوجيه والتشجيع والمبادرة بالحث على أدائها فلك رأيك وقولك وسلطتك ، وكذلك لوكنت في شركة لاتقل كما بالحساب الإقتصادي عندي خمسون عاملاً إذا توقفوا عشرين دقيقة سأخسر كذا وكذا فهو وقت مهدر، هذا غير صحيح فأنت المتمكن ومن تعطي الأمر ويسمع لك وينفذ فهنا أنت ممن تنطبق عليه هذه الأية المباركة.
وهنا اسمحوا لي بلفته بسيطة لما ورد أيضاً في تفسير الميزان بحق هذه الآية المباركة فنجد وصفاً للذين آمنوا المذكورين في أول الآية، من غير النظر إلى الأشخاص والمراد من تمكينهم في الأرض إقتدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة من غير مانع يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم.
يقول تعالى: إن من صفتهم أنهم إن تمكنوا في الأرض وأعطوا الحرية في اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعاً صالحاً تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتخصيص الصلاة من بين الجهات العبادية والزكاة من بين الجهات المالية بالذكر لكون كل منهما عمدة في بابها. تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٤ - الصفحة ٣٨٦