الصلاة ميراث الانبياء
إنها الإنطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير. كلنا ملتفتون ونعمل على تلك القيمة لكنني هنا من باب وذكر (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ٥٥ الذاريات
الصلاة هي القاسم المشترك بين الديانات السماوية بدأ من نبي الله إبراهيم (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) ٤٠ ابراهيم ، فهاهو يدعو ربه أن يجعله ممن يقيم للصلاة وأن يجعل ذريته ايضاً مقيمةً للصلاة وأن يتقبل الله دعائه.
ونبي الله موسى يخاطبه عزوجل (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ٨٧ يونس
لنتأمل في جمال وروعة المعنى قليلاً واسمحوا لي بذكر بعض ماقيل في تفسيرها :
فهذه الآية فيها جامعة من العلوم ارتبطت بالصلاة بجمال ومعنى عميق منها الهندسة والمعمار ففي ناحية البناء والمعمار ( تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا). أي اجعل من بيوتكم قبلة بها حالة من الإلتأم والإلتفات حتى الشكل الهندسي جعل منه مكملاً لهذا المظهر الإجتماعي .
فأمروا أن يكونوا حياً مستقلاً بهم استعداداً للخروج من أرض مصر، و أن يجعلوا بيوتهم قبلة أي متقابلة ليعرفوا من يدخل عليهم ومن يخرج منهم، وليصلوا فيها آمنين مطمئنين كالمساجد حيث منعوا من المساجد إما بتخريبها وإما بمنعهم منها ظلماً وعدواناً من فرعون.
واجعل من بيوتكم قِبلة أي متقابلة ، يقابل بعضها بعضاً بحيث يسهل وصولكم وتأمنوا في دوركم و دور العبادة ، فأُمروا أن يتَّخذوا مساجد في بيوتهم ويصلُّوا فيها ليأمنوا من فرعون ، و أن يَجْعَلُوا فِي بُيُوتِهِمْ مَسَاجِدَ مُسْتَقْبِلَةً الكعبة أي اجعلوا وجوه بُيُوتَكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ ففي الرواية أنه كَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ.
( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) الحكمة في جعل البيوت إلى القِبلة أن الشمس تدخلها من أبوابها في غالب أوقات النهار في جميع الفصول وفي ذلك منافع كثيرة ومنها معرفة وقت الصلاة المفروضة عليهم.
واجعلوا بيوتكم التي بالشام أيضاً قبلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم، ففي الآية ما يدل على معنى التوجه إلى الجهة التي يصلون إليها، وهي قبلة إبراهيم، فيكون أمر بني إسرائيل يومئذ جاريا على الملة الحنيفية قبل أن ينسخ بالاستقبال إلى صخرة القدس
وأمرهم بإقامة الصلاة، التي فرضها الله عليهم على لسان موسى، والتي كانوا يصلونها من قبل مجيء موسى اتباعا لإبراهيم وأبنائه. وأن الداعي إلى أمرهم بإقامة الصلاة إن اتخاذ البيوت كان في حالة رحيل فكانت حالتهم مظنة الشغل عن إقامة الصلوات فلذلك أمروا بالمحافظة على إقامة الصلاة في مدة رحلتهم وانها لاتسقط بحال. (التحرير والتنوير:١١/١٦٣ بتصرف يسير) ، وعن الحسن : ( كانت الكعبة قبلة كل الأنبياء.).
تبوَّأ المكانَ : توطَّنه ، نزله وأقام به . والقبلة: اسم في العربية لجهة الكعبة. معجم المعاني الجامع
التبوي: أخذ المسكن والمنزل، ومصر بلد فرعون، والقبلة في الأصل : بناء نوع من المصدر كجلسة ، أي الحالة التي يحصل بها التقابل بين الشيء وغيره فهو مصدر بمعنى الفاعل.
أي اجعلوا بيوتكم متقابلة يقابل بعضها بعضا وفي جهة واحدة وكان الغرض أن يتمكنا منهم بالتبليغ ويتمكنوا من إقامة الصلاة جماعة كما يدل عليه أو يشعر به قوله بعده:( وأقيموا الصلاة ) لوقوعه بعده. تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٠ - الصفحة ١١٤
والمعنى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما مساكن من البيوت في مصر - وكأنهم لم يكونوا إلى ذاك الحين إلا كهيئة البدويين يعيشون في الفساطيط أو عيشة تشبهها - واجعلا أنتما وقومكما بيوتكم متقابلة وفي جهة واحدة يتصل بذلك بعضكم ببعض ليتماشى أمر التبليغ والمشاورة والإجتماع في الصلوات، وأقيموا الصلاة.