الرحمة الإلهية في آية البسملة

الشهادة التوحيدية المدخلة في الإسلام : أن لا إله إلا الله ، محمدٌ رسولُ الله . وقد ذكرنا أن هذا الإسم المقدس من الأسماء القريبة إلى الإسم الأعظم وهو الإسم الأعظم اذا اقترن بتلك الحالة الإيمانية الخاصة التي تحدثنا عنها في ليلة سابقة .

 ثم يأتي بعد ذلك (الرحمن) ، (الرحيم) الرحمن الرحيم كلاهما من مصدر واحد وهو (رَحِم) وكلاهما صيغة مبالغة ، وكلاهما يدلان على وجود رحمة كثيرة ومتنوعة أيضاً .صِيغ المبالغة تدل على الكثرة أو على الأنواع مثلاً إذا رحمك شخصٌ باشكالٍ مختلفة اطعمك وسقاك وكساك ورعاك وآمنك وحفظك ، رحمات متعددة ومتنوعة عليك أنت فقط وأنت واحد هنا يصح أن يُقال عنه (رحيم) لماذا ؟
لأنه ولو كنت شخصاً واحداً ولكنّ هذا المُتَفضِل أحاطك بأنواعٍ متعددة من الرحمة وهذه رحمة تنويع أو احياناً تكون الرحمة واحدة والأشخاص كثيرون ألف انسان مثلاً وهناك شخص ٌ يسقيهم ويرعاهم ويُطعمهم لهذه الكثرة يُقال له رحيم .الله تعالى لديه كلا الأمرين يعني أنّه يرحم العباد جميعاً وهم بالمليارات وفي كلِ شخص ٍ يُنَوِع الرحمات النازلة عليه لذلك هو أحق ُ من بُدعى (الرحمن الرحيم) هل هناك اختلاف بين( رحمن/ رحيم ) ؟؟

في البداية أُشير إلى نقطة بحسب الإحصاء كما ذكر بعضهم أن في القرآن  الكريم توجد كلمة (الرحمن) ٥٧ مرة  وَ ١١٤ مرة (رحيم) فهل هذا له ارتباط باختلاف المعنى أي أن ّ (الرحمن) تحمل شيء مضاعف ، بينما (الرحيم) تحمل شيء مفرد أو لا .وهذا يحتاج إلى بحثٌ خاص في آنّ الأعداد الموجودة في القرآن هل لها اتصالٌ بالمعاني أو لا .موجود مثلاً عدد كلمات الدنيا في القرآن يساوي عدد كلمات الآخرة فهل هذا يدل على التوازن الموجود في حياة الإنسان بين توجهه الى الدنيا وتوجهه الى الآخرة إلى حد التساوي بين عددي الكلمتين أو لا . وهذا بحثٌ خاص بقضية الأعداد يحتاج إلى كثير تأمل وتدبرٍ في هذا المورد .

أيضاً لو عدنا للرحمن كما قلنا أنّها تحمل ضعف ماتحمله الرحيم حتى أن ّ بعضهم قال الرحمن صفة من الرحمة لله عزّ وجلّ تشمل المؤمن وغير المؤمن في خلقه ورزقه وفي تنعيمه بهذه النعم الإلهية {كلًّاًّ نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  } الرحمن اذن تشمل المؤمن وغير المؤمن والصالح وغير الصالح لكنّ الرحمة بالمؤمن أشمل وأوسع بينما الرحمة بالكافر رحمة محدودة بامور خاصة .بعضهم قال الرحمن تشمل الدنيا والآخرة بينما الرحيم تشمل الآخرة فقط .ويوجد كلامٌ وتقاشٌ عند العلماء و المفسرين و ليست هي مسلمات بل يوجد لكل تفسير نقاش لكن لو افترضنا أن هذا التفسير صحيح وان الرحمن معنىً من الرحمانية تحمل شيئاً مضاعفاً مكرراً إمّا لجهة أنواع الناس من الصالحين و غير الصالحين أو يشمل الأزمنة من الدنيا والآخرة بينما الرحيم يشمل نوع من الناس وزمان خاص من الأزمنة .
آنئذٍ نستطيع أنّ نرى توجيهاً مناسباً إلى كون ماجاء في القرآن من الرحيم أنّه ضِعف ماجاء من الرحمن - س٢ حسب التعبير بينما تلك ذات قيمة واحدة -

اذن الرحمن والرحيم من اعظم صفات الله عزّ وجلّ إن لم تكن أعظمها على الإطلاق ، جيء بها كفاتحة وبداية لهذا الكتاب المقدس بل يظهر أنّها فاتحة لِسائر الكُنب الإلهية المقدسة .
عندنا رواية تقول (مامن كتاب أُنزِل من السماء إلا ّ وبُدِء ببسم الله الرحمن الرحيم) وربما يُشير إلى ذلك ماصنعه النبي سليمان عندما أرسل إلى ملكة سبأ {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٣٠)} سورة سبأ فهذه البسملة وهذه الكيفية كانت متداولة ومن المضنون جداً أن سليمان أخذها من الأنبياء قبله أو نزلت عليه في الكتب بخسب ماورد في الرواية السابقة .
حتى أن أول الأنبياء نوح عليه السلام عندما أراد أنّ يُحرِك السفينة قال : {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ} (٤١)سورة هود لماذا جاءت البسملة مقرونةً بالرحمن الرحيم ولم تأتي مقرونةً بالقوي القادر او العظيم ؟؟ نحن نستعين في أمورنا كلها بالله عزّ وجلّ والعقل يحكم أن ّ الاستعانة تأتي من الضعيف للقوي فلماذا جائت البسملة على هذا النحو ولم تأتي مثلا ً : بسم الله القويّ القادر ..أو بسم الله القادر العظيم..

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة