لما برز بعض الخطباء الذين غيروا من هيكل المنبر تغييرا تاما. ونخص بالذكر منهم: المرحوم الشيخ كاظم السبتي،وهو عالم كبير، فقيه من الفقهاء توجه إلى الخطابة، ولم يكن أمر الخطابة موجودا كثيرا بين العلماء الكبار. فقد كان الذي يصعد المنبر ويرقاه، يُنظر إليه على أنه شخص يتقن الصوت فقط، لا أن العالم لا بد أن يذهب في هذا المجال. لكن هذا الفقيه، العالم الكبير، دخل هذا الميدان، وغير النمط، أي ما كان في السابق هذا النمط: من أن الخطيب يبدأ بآية ويفسرها، أو خطبة للإمام ويفسرها، أو قول للمعصوم ويتحدث عنه، أو موضوع عقائدي، أو موضوع أخلاقي، أو موضوع ثقافي، لا. كان كله ضمن استذكار الفاجعة، وقراءة بعض الأشعار. فهذا العالم الجليل رضوان الله تعالى عليه في حوالي سنة ١٣١٠،
، بدأ ينتج شيئا جديدا من النمط الخطابي والمنبر الحسيني، والذين جاؤوا من بعده بدأوا ينتهجون نفس المنهج. فتغير تغيرا كبيرا بعدما كان محصورا في إطار نقل الواقعة وترداد الشعر، وتحزين القلب. فقد بقي هذا، ولكن في الأخير، وبمقدار معين، ولكن في الهيكل العام، أصبح هيكل ذا بعد ثقافي ومعرفي: إما أخلاق، إما عقيدة، إما ثقافة، إما تحليل تاريخ، إما غير ذلك. وبالتالي نحن في هذه المرحلة التي هي من بركات هذا الشيخ الجليل، رضوان الله تعالى عليه.
أسئلة حول المنبر الحسيني ودوره وخطبائهوهذا مرور إجمالي على الحالة التي تطور إليها ومنها المأتم والمنبر الحسيني. وهناك بعض الأسئلة التي ربما تتردد في أذهان بعض الناس. من الأسئلة مثلا: البعض يقول: لماذا لا يكون هناك جهة تحدد من الذي يصعد المنبر؟ أي لماذا المنبر الحسيني شرعة لكل وارد. ففي الطب مثلا، لا يمارس الطبابة إلا من لديه شهادة، والهندسة كذلك. فلماذا المنبر الحسيني والتوجه إلى هذه القضية لا يمر عبر جهة تعين صلاحية هذا الإنسان وعدم صلاحيته. هذا من الأسئلة. من الأسئلة مثلا: لماذا نجد بعض المنابر يكون محورها العام، من أولها إلى آخرها، ضمن دائرة المصيبة والرثاء وما شابه ذلك؟ فالناس يعرفون المأساة، يعرفون القضية، فلماذا يقال: هكذا؟ وعلى هذا المعدل من الأسئلة، نحن نجيب على بعضها. أما
بالنسبة إلى السؤال الأول، لماذا لا تكون هناك جهة تفلتر وتعين من يصعد المنبر؟ أنا أعتقد أن من يطرح هذا السؤال عادة هو مخلص في نيته، ويقول لك: المنبر له قداسة، وله دور، وله أهمية، فينبغي أن لا يصعد إليه إلا من يكون مؤهلا، وهذا الدافع، وهذه النية، نية طيبة. ولكن تعيين جهة تقوم بهذا الأمر، أولا غير ممكن، وثانيا: قد لا يكون صالحا. أما غير ممكن، فلأن الحالة الشيعية كأنها أخذت مبدأ الحرية على مصراعيه. ولا يوجد هناك جهة تُستأذن، يعني مثلا، أنا إذا رأيت في نفسي قدرة على الخطابة، لن آتي لكي أستأذن منك. وأنت إذا عرفت في نفسك قابلية الإبكاء للآخرين، وأقبل عليك الناس، لن تأتي لكي تستأذن مني. فليس هناك جهة، يعتقد الناس أنه لا بد
أن يستأذنوا منها. ولا المرجعية تتصدى لهذا الأمر، ولا يوجد هناك هيئات محلية، ولا يوجد هناك مؤسسات قادرة على المنع والسماح. بل ليس معلوما أن هذا التوجه توجه صحيح. فنحن نخشى أن تتكرر تجربة المنابر الأخرى في المذاهب الإسلامية الأخرى التي بدأت ضمن هذا الإطار: أنه لا بد من تقنين، لا بد من ترتيب، لا بد من شهادة، لا بد من كذا، ثم أصبحت بيد دول معينة، وبيد حكومات، وضمن اتجاه خاص. ولذلك أنت من النادر أن تجد خطيبا ضمن هذا الإطار الذي هو مقنن ومدستر لا يخرج عن النص. ثم افرض أنه في هذه الفترة، وجدنا لنا مؤسسة، أو وجدنا لنا مرجعية، أو وجدنا لنا جهة مخلصة، وفاهمة، وعارفة، وفعلت لنا هذا الأمر، فماذا يدريك عما بعد؟! فهل نترك