إذا كان هناك اختلافات وافتراقات ومذاهب، إنما تنشأ من بعد فترة الإمام الحسين (ع). فأقدم الفئات الزيدية، والزيدية بعد الإمام علي بن الحسين. وعليه، يكون الإمام الحسين (ع) نقطة مشتركة بين جميع الشيعة. أما الفاطميون فقد أعلنوا أيضا مراسم العزاء والمأتم والرثاء، وساعدهم في ذلك وجود مراقد لأهل البيت (ع) في القاهرة: مسجد مشهد رأس الحسين، ومشهد السيدة زينب، ومشهد السيدة نفسية، وبعض آخرين ممن كانوا ينسبون إلى أهل البيت (ع). فهذا خدم الموضوع الحسيني في ذلك المكان. ٥/ استمر هذا الأمر، قريب من ١٠٠ سنة، ١٥٠ سنة، إلى أن جاءت عاصفة الأتراك السلاجقة. والسلجوقيون احتلوا بغداد، وكانوا متعصبين مذهبيا، وكان بعضهم حنفي المذهب، وبعضهم حنبلي المذهب، هذا من الناحية السياسية. وهؤلاء جاؤوا على أنقاض البويهيين؛ لذلك أرادوا أن يزيلوا
آثارهم، ومن آثارهم هذه الشعائر فأرادوا محوها، هذا من جهة. من جهة أخرى، الوضع الاجتماعي الذي جاؤوا فيه، إذا كانوا حنابلة. والحنابلة، خصوصا في أزمنة تاريخية سابقة، كانوا يعتقدون أن الله قد كلفهم هم بأن يزيلوا كل ما يعتقدونه بدعة. أي الله أعطاهم تخويلا وتفويضا بأنه لهم وعليهم ولا بد منهم أن يزيلوا البدع بأيديهم. أي بيدك أنت يا من تنتهج المنهج الحنبلي، هذا الفكر - لا أقل – كان في السابق موجودا.ولذلك لا يكتفي هذا الإنسان بأن يقول: هذا ضآل، وأنا أوضح فكرتي، وذاك يوضح فكرته. لا. بل يأطرك فيما يعتقد على الحق أطرا، فلا بد أن يلزمك بالحق، ويجعلك تمشي بالطريقة التي يعتقدها حقا. فما تعتقد أنت سنة، وهو يعتقده بدعة، يمنعك منه، ويقاومك فيه. وهذا واحد من
أسباب المشاكل والاصطدامات التي نراها اليوم في كثير من مناطق العالم الإسلامي. فأنت تعتقد أن هذا بدعة، وأنا أعتقد أن هذا سنة! أنت تعتقد أن هذا باطل، وأنا أعتقد أن هذا هو عين الحق، ومحض الحق. فإذا أنت لا تعمل فيه، فابد نظرك حوله، لا أحد يقول لك لا تبدي نظرك، أما أن تأتي وتمنع غيرك منه، بقوة اليد وأحيانا بقوة السلطان، فهذا ما أعطاك أحد إجازة في ذلك. ونحن لاحظنا أنه بالعكس، في ذلك الزمان، حدث هكذا، إلى حد أن القاضي التنوخي، في كتاب: مشوار المحاضرة، يقول: كان هناك، في تلك الأزمنة، جماعة من الخطباء، صعدت المنابر، وعلا صيتها، يقول كان منهم: شخص يسمى الناشئ، وشخص آخر يسمى المزوق. أي خطيب شهير، مثلما عندنا الآن في عالم التشيع خطباء
مشهورون، ذاك الوقت أيضا كان عندهم. وأيضا هناك: نائحة، راثية، اسمها خُلب، أو خِلب. فهذه كانت تذهب إلى مجالس النساء، ويتحلق حولها الكثير من النساء، وتحصل على جمهور عظيم منهن.فواحد من زعماء هؤلاء الحنابلة في ذلك الوقت، رأى أن هذه بدعة، أي أصل الرثاء عندهم بدعة، فالنياحة على الميت بدعة، والتي تنوح عليه امرأة أيضا، فهذه أشد وأشد. فتكلم ضدها، وأفتى بقتلها، وأن هذه دمها مهدور. فهذا الكاتب يقول: بعد مدة، وجدت ميتة. هل هم قتلوها؟ أو ماتت هكذا؟ لكن بالتالي ذهبت في ضمن هذه الأجواء. فإذن، مر المأتم والمنبر في فترة ضيقة نسبيا، ما لبثت أن تصاعدت من جديد، فالسلاجقة انتهوا، وأتوا المغول، وما كانوا يتعرضون إلى هذه المسائل، إلى تفاصيل المسائل. فالنساء حصلن على فترة، خصوصا بعد الدمار
الذي حدث والقتل الذي وقع وأصبح يذكي في الإنسان العاطفة، فيجدوا الناس في مصيبة الحسين (ع) متنفسا، وملجأ، وظهرا، يعينهم في مصائبهم. ٦/ ولكن التطور الأكبر الذي حدث، لما جاء الصفويون إلى العراق، وأخذوا العراق، بعد إيران أيضا. الصفويون، أسرة حكمت ايران ثم العراق، هم أبناء صفي الدين الأردبيلي، الذي ما كان أصلا من الشيعة، ولكنه تشيع فتشيع أبناءه، وسيطروا بالتدريج على بغداد وعلى فارس، وانتخبوا هذا المذهب باعتباره المذهب الرئيسي. ففي هذه الفترة، أيام الصفويين، باعتبار أنه قد أصبح العراق تحت يدهم، وإيران كذلك. فأظهروا المذهب، وانتعش من جديد أمر المأتم والشعائر الحسينية بشكل عام. واستمر هذا إلى المرحلة التي نحن فيها، قبل حوالي ١٥٠ سنة. ٧/ قبل حوالي ١٥٠ سنة، حدثت نهضة، بدأت في العراق، في النجف الأشرف،