٣/ وأكثر من قام به كان الإمام الرضا (ع)، ربما نظرا لكون الناحيتين السياسية والعامة كانت أفضل في عهدي الإمام الصادق والإمام الرضا من بقية الأزمنة. مع ذلك، نحن نلاحظ أن أكثر الروايات، وأكثر استقبالات الشعراء، كانت هنا. فالإمام الرضا كان يجلس في مثل هذه الأيام. يقول ابن شبيب، الريان بن شبيب: "دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي الِإمَامَ الرِّضَا فَوَجَدْتُهُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ جَالِسًا جَلْسَةَ الحَزِينِ الكَئِيبِ"، فكان يجلس للاستقبال. فإذا هذا شاعر، يقول له: ارث الحسين. وإذا ليس لشاعر، يبدأ الإمام يحدثه: "يَا بْنَ شَبِيب، إِنْ كُنْتَ بَاكِيًا فَابْكِ الحُسَينَ (ع)". فيجلس، يستقبل، يتصدى، شاعر أو منشد، يستقبل دعبل الخزاعي، يستقبل الريان بن شبيب، يستقبل آخرين، وهكذا. فنحن نلاحظ أن في هذه الفترة الزمنية، قد تبلورت مؤسسة المأتم الحسيني والمنبر الحسيني
بشكل واضح، بما وضعه الإمام الصادق أولا، وأكمله الإمام الرضا. فصرنا أمام منشدين أيضا، وليس فقط شعراء. فعندنا شاعر، ينشئ الشعر، وعندنا منشد، مثل الخطيب الآن، مثل الملا، حسب التعبير. ففي ذلك الوقت كان هذا موجود. فالشاعر: كالسيد الحميري، والمنشد، مثل: أبو هارون المكفوف، وجعفر بن عفان، وكان هناك نمط من القراءة. لذلك - وهذا نشير إليه إن شاء الله آخر الأمر- لما جاء أبو هارون المكفوف، وهو منشد، أي بحسب تعبيرنا اليوم: ملا، راث، وقال له الإمام: "ارْثِ جَدِّي الحُسَين". فبدأ يقرأ قصيدة للسيد الحميري: امرر على جدث الحسين، وقل لأعظمه الزكية. فقال له الإمام: "لَا، لَيْسَ هَكَذَا، بَلْ كَمَا تُنْشِدُون". يعني بالرقة، بالتنغيم، لا أريدك أن تقرأ علي قراءة شاعر لقصيدة، وإنما أريدك أن تقرأ علي بنحو يحزِّنني،
بنحو الرثاء المتعارف. فبدأ ينشده بذلك النحو. فأصبح عندنا أيضا طبقة جديدة في زمان الإمام الصادق (ع)، هي: طبقة الراثين والمنشدين الذين ليسوا بالضرورة أن يكونوا شعراء، فقد يكون شاعرا، وقد لا يكون، وإنما يأخذ شعر غيره، وينشده، ويرثي به الحسين (ع). ٤/ واستمر هذا طيلة فترات الأئمة (ع) - إلى أيام الغيبة الكبرى التي هي مرحلة متغيرة. ففي مرحلة الغيبة الكبرى، يعني ما بعد سنة ٣٢٩، حصل متغير جديد، أثر تأثيرا إيجابيا في مؤسسة المأتم الحسيني والمنبر الحسيني، وهو: وجود البويهيين في بغداد، ووجود الفاطميين في مصر. فطيلة هذه الفترة الماضية، والمنبر والمأتم الحسيني كان يعيش على الحاشية وعلى الهامش، وكان موقف الخلفاء عادة موقفا غير جيد. فمثلا، في زمان المتوكل العباسي الذي منع الناس من زيارة قبر الحسين،
كان موقفه – وهذا الطبيعي - من المأتم والمنبر الحسيني موقفا شديدا، فلا بد أن يخنس المنبر قليلا. أما الآن، فنحن في مرحلة جديدة، من بعد زمان الغيبة الكبرى، ففي بغداد جاء البويهيون، والبويهيون: أسرة ديلمية، سيطرت على بغداد، وهي تنتهج منهج أهل البيت (ع). أي هم - مذهبيا - من الشيعة، لكن هناك خلاف حول: هل أنهم إماميون، أو أنهم زيديون؟ والصحيح كما نعتقده أنهم إماميون. فهؤلاء لما جاؤوا وسيطروا جعلوا الحكومة بويهية شيعية. صحيح أنهم كانوا منفتحين على المذاهب الأخر إلى حد أن قاضي القضاة - وهذا تحدثنا عنه في إحدى السنوات - كان عبد الجبار المعتزلي، وهو مخالف للمذهب، ومخالف للحكومة، فالحكومة ذلك الوقت بويهية شيعية. غير أن قاضي القضاة، المفتي الأكبر فيها، من؟ القاضي عبد الجبار،
سني المذهب، معتزلي العقيدة. لكن التوجه العام للدولة كان توجها شيعيا، وهذا أثر تأثيرا إيجابيا على المأتم الحسيني.فكانت الحكومة - بحسب التعبير - والناس يقبلون بموضوع المنبر. فنشط المنبر الحسيني وتمدد كثيرا. وفي هذه الفترة أيضا وجدنا قصائد رائعة مثل: همزية الشريف الرضيكربلاء، لا زلت كربا وبلا ما لقي عندك آل المصطفىوهي تعد من غرر الشعر وعيونه. فإلى حد أن البويهيين في إظهارهم لشعائر المذهب، وتظاهرهم بقضية الحسين، أعلنوا يوم عاشوراء عطلة في كل مكان، وعلقوا السواد، وعقدوا المجالس والمآتم، واجتمع الناس والعلماء في تلك المجالس والمآتم. يعني: حالة من حالات الظهور العام للمأتم والمنبر الحسيني. في الطرف الآخر، في مصر أيضا، جاء الفاطميون في نفس الفترة. والفاطميون ليسوا إماميين، ولكن الإمام الحسين نقطة اشتراك بين شيعة أهل البيت عموما.