المنبر الحسيني نظرة في النشأة والتطور

المنبر الحسيني نظرة في النشأة والتطور
00:00 --:--

المنبر الحسيني تاريخ النشأة والتطور

?تابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
روي عن سيدنا ومولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: "أَحْيُوا أَمْرَنَا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا"، صدق سيدنا ومولانا جعفر بن محمد.
حديثنا يتناول شيئا من التطور التاريخي للمأتم والمنبر الحسيني، ويجيب على بعض الأسئلة التي تتردد في الأذهان بشأن بعض مجالات التطوير المطلوبة. الذين تحدثوا في مراحل تطور المنبر الحسيني، فصلوا في هذه المراحل بأنحاء مختلفة، ولكننا سوف نوجز الحديث ضمن هذه النقاط التالية:
١/ نعتقد أن المرحلة الأولى التي مرت على المأتم والمنبر الحسيني كانت أشبه بالمأتم العفوي. مأتم عفوي بمعنى: أنه ينفعل بالحادثة. فهناك شخص ناظر يرثي الحسين نثرا أو شعرا، وهناك من يستمعون على غير تهيئة سابقة. وهذا نعتقده بدأ منذ أن استشهد الإمام الحسين (ع)، بالرغم من أن البكاء على الحسين سبق استشهاده بعقود، بل بقرون.
لكن في هذه المرحلة، استشهد الحسين (ع)، وكانت زينب (ع) من أوائل من رثى الحسين (ع)، من أخبرت عن مصيبته، من خاطبت الجيش، أو بعض أفراد الجيش بما جرى على الإمام (ع) في يوم عاشوراء. ولعل هذا أول إظهار لهذه المصيبة. فبعد خروج أهل البيت إلى كربلاء، وانتقالهم إلى الشام، بدأوا أيضا يتحدثون عن المظلومية، وعن المأساة، وعما جرى. وكانت الجماعات التي جاءت للتفرج أو للتطفل أو للاستطلاع تواجه من قبل أهل البيت (ع)، كزينب، وفاطمة بنت أمير المؤمنين، وفاطمة بنت الحسين، اللاتي خطبن في تلك الجموع بنقل شيء من المأساة، وشيء من المصيبة التي جرت في كربلاء، وهكذا الحال بالنسبة للإمام زين العابدين (ع).
المظهر الأكبر في هذا الإطار: كان في الشام، حيث تحول خطاب الإمام (ع) إلى ملحمة مأساوية قلبت المجلس وغيرت النفوس. ففي الشام أيضا عقدت هناك مجالس، وكلها ضمن دائرة المجلس العفوي، المنبر العفوي، يعني: ما كان هناك دعوة، لنفترض: أيها الناس سيقام مجلس لعزاء الحسين، هلموا إليه. وإنما كان في الغالب: يحصل اجتماع، ولا سيما بين النساء، تثار المأساة، يسيل الدمع، فيبدأ الحديث عن قضية كربلاء. وفي الرجوع إلى المدينة أيضا استمر الأمر بنفس المعدل. فكانت هذه المرحلة، هي الأولى بهذا الترتيب في نشوء ما نسميه اليوم: بمأتم الرثاء الحسيني أو المنبر الحسيني. واستمرت شيئا ما في زمان الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه.
٢/ أما عندما نأتي إلى أواخر أيام الإمام الباقر (ع) وأيام الإمام الصادق (ع) فصاعدا، نجد أنفسنا أمام تشكيل مؤسسة كاملة المعاني، نصطلح عليها اليوم باسم: المأتم أو المنبر الحسيني. ففي زمان الإمام الصادق (ع) بدأ الترتيب لمؤسسة كاملة للمنبر الحسيني. كيف؟
أي مؤسسة تحتاج إلى ثلاثة عناصر، تحتاج إلى دافع، ما هو الغرض؟ ما هي الغاية؟ وتحتاج أيضا إلى شكل وإطار، وتحتاج إلى مضمون.

وهذه كلها نراها حاصلة في توجيهات الإمام الصادق (ع) فيما يرتبط بأمر المنبر الحسيني. فالدافع الذي بينه الإمام، هو: مجموع الأحاديث الواعدة بالثواب والأجر الكبير لمن كان في هذا السلك. فمن بكى له الجنة، ومن أبكى له الجنة، ومن قال شعرا له من الثواب كذا، ومن أنشد شعرا له من الثواب كذا، ومن تباكى له كذا. فلكل الأطراف، من يستطيع أن ينشئ الشعر فله ثواب، ومن يستطيع أن ينشد الشعر فله ثواب، ومن يستطيع أن يبكي ويتأثر فله ثواب، والذي يستطيع أن يبكي الآخرين فله ثواب، والذي لا يستطيع أي شيء، لكنه يستطيع أن يتباكى ويجلس على هيئة الحزين، حتى لو لم تدمع عيناه، هذا أيضا له ثواب. هذه الأحاديث كلها تشكل دافعا لتأسيس مثل هذا المنبر؛ لأن الذي يأتي للمنبر: إما منشئ للشعر، أو منشد له، أو سامع، أو باك، أو مبك، أو متابك، وكل هؤلاء يحصلون على أجر ومثوبة. فهذا الدافع تكفلت به روايات كثيرة عن الإمام الصادق (ع).
الإطار والهيكل والشكل، فنحن أمام تعبير: مجالس معدة، يسأل الإمام الصادق (ع) الفضيل بن يسار، فيقول له: "تَجْلُسُونَ وَتَتَحَدَّثُونَ؟" وواضح أن كل الناس يجلسون ويتحدثون، سواء مسلمون، أو غير مسلمين، ولكن المقصود ضمن مجالس معينة ومحددة، وذات غرض معين، فهل تجلسون هذه المجالس، وتتحدثون فيها؟ يقول: "بَلَى"، فقال الإمام: "إِنِّي لَأُحِبُّ تِلْكَ المَجَالِسَ، أَحْيُوْا أَمْرَنَا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا"، فنحن لو نتتبع كلمة الأمر في روايات أهل البيت، نراها تتحدث عن شيء مهم، هو: أصل المذهب، فمما يقال له: الأمر، الإمامة: "كَانَ عَلَى هَذَا الأَمْرُ"، الدفاع عن أهل البيت: "قُتِلَ عَلَى هَذَا الأَمْرُ".
فأتى الإمام الصادق وجعل إحياء المجلس، والحضور فيه، والتفاعل معه، مصداقا من مصاديق إحياء الأمر: "أَحْيُوْا أَمْرَنَا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا". فهذا الشكل أيضا هيأه الإمام. والمضمون أيضا، هو: رثاء الإمام الحسين (ع): "ابْكِ جَدِّي الحُسَين"، "ارْثِ جَدِّي الحُسَين".
فأنت أمام توجيهات تتكفل بالدافع لهذه المؤسسة، وتتكفل بالهيكل والإطار، وتتكفل بالمضمون والموجود في داخلها. ونحن نستمر مع هذه في أزمنة الأئمة (ع). أي الأساس جعله الإمام الصادق (ع)، وأئمة أهل البيت الذين تأخروا عن الإمام الصادق، ساروا في نفس المشوار.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة