رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد

رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد
00:00 --:--

وفي هذه الرواية جهات كثيرة:

  1. أولاً: أن نساء بني هاشم يشمل أيضاً مثل زينب وأمثالها؛ اللاتي هن في العلم والمعرفة بما لا يخفى عليهن، فلو كان السواد غير مرغوب فيه لما كانت تلبسه، وهكذا بالنسبة إلى نساء بني هاشم الأخريات مثل زوجات الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر الأخوات؛ فهذا يُفترض فيه أنهن بهذا المقدار من المعرفة ولا سيما من قبل العقيلة زينب؛ يعرفن ما هو مكروه وما هو محبذ وما هو جائز وما هو غير جائز، ولو كان فيه كراهة لم يكن ليأتين ويلبسن هذا.
  2. ثانياً: أنهن كن تحت مرأى ومنظر الإمام السجاد ولا سيما وهو يعمل لهن الطعام. أساساً الحالة العادية أن الإمام السجاد (عليه السلام) لما كان هو إمام الوقت، فإن إشرافه على هؤلاء النساء إشراف مباشر، وطاعتهن له طاعة مؤكدة، وبالتالي هن في مكان واحد أو مكان متقارب؛ فكان خصوصاً مع عمله الطعام لهن يعرف أحوالهن ولباسهن، فلو كان في ذلك كراهة ومخالفة شرعية لكان الإمام السجاد (عليه السلام) يلفت النظر ويوجه في مثل هذا الأمر إلى ترك هذا، بينما لم يفعل ذلك. فهو إمضاء عملي من قبل الإمام السجاد (عليه السلام) لعملهن؛ فالإمام السجاد ليس مثلي وأمثالي إذا رأى شيئاً -لا سيما في دائرة عماته وأخواته- على غير الوجه الشرعي فسوف ينبه ويقول ويرشد ويبين، ولم ينهَ الإمام السجاد عن ذلك بل كان يعمل لهن الطعام.
  3. ثالثاً: وهذه جهة ثالثة في هذه الرواية؛ تشير إلى استحباب عمل الطعام في مأتم الحسين (سلام الله عليه) حيث إنها سيرة الإمام السجاد (عليه السلام).

وهناك أمر آخر نقله ابن قولويه في كتابه (كامل الزيارات) -ونحن تحدثنا عن الكتاب والكاتب في العشرة الثانية وعن أهمية الكتاب وأهمية المؤلف ابن قولويه وأن العلماء يعتمدون على هذا الكتاب ويعتمدون على هذا المؤلف-؛ يقول في رواية أنه لما كان من الحسين ما كان واستُشهد الإمام (سلام الله عليه)، نزل ملك من ملائكة الله من السماء ووقف على البحر فنادى في ملائكة البحار وصاح: «أَنْ اِلْبَسُوا ثَوْبَ الحُزْنِ فَإِنَّ فَرْخَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَذْبُوحٌ»، فأعلن ملائكة البحار الحزن. ومع ارتباط لباس الحزن مع السواد -كما هو في البيئة العربية- قد يستفيد البعض من ذلك أن هذا فيه نوع من الإشارة إلى عدم كراهية لبس السواد وأن يلبس الإنسان ما يدل على الحزن (وهو في البيئة العربية لبس السواد)، والسبب في ذلك بعنوان أن فرخ رسول الله، ابن رسول الله، سبط رسول الله مذبوح (صلوات الله وسلامه عليه).

خلاصة المسألة وشبهة العمامة السوداء

فإذاً تلخص لنا أنه على كلا المسلكين:

  • سواء قلنا إن هناك كراهة في لباس السواد واستُثني منها مستثنيات؛ من المستثنيات ما كان في حال الصلاة من لباس الخف ولباس الكساء (العباءة) ولباس العمامة. (الآن مثلاً هناك بعض الناس قد لا يلتفت إلى هذا المعنى، ورأيت ذات مرة أن أحدهم يعترض على العلماء كيف يصلون في عمامة سوداء؟ السادة بالتالي شعارهم يلبسون العمامة السوداء، كيف تلبسون العمامة السوداء والحال أن هناك أحاديث تنهى عنها؟! مثل هؤلاء يحتاجون إلى مطالعة أكثر في الروايات وأن من جملة المستثنيات حتى لو قلنا بكراهة السواد في الصلاة فإنه قد أُستثني فيها مثل هذه العناوين. وقد ذكر ذلك صريحاً المحدث البحراني الشيخ يوسف رضوان الله تعالى عليه في كتابه الحدائق الناضرة، والعلماء من بعده فتاواهم على هذا الأساس؛ يعني حتى لو قلنا بكراهة لبس السواد في الصلاة فإنه يُستثنى منه هذه الأمور).
  • ومن المستثنيات أيضاً ما كان بعنوان الحزن على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)؛ فإنه ليس فقط غير مكروه وليس فقط مباحاً، وإنما هو مستحب باعتبار هذا العنوان الخاص الموجود في هذا الجانب.
مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة