أما على المسلك الثاني الذي يراه بعض العلماء من أنه أساساً ليس عندنا كراهة في لبس الثوب الأسود لا في الصلاة ولا في غيرها؛ لأن الروايات الوارده في ذم ذلك ناظرة إلى بني العباس وإلى جهة خاصة وبعنوان التشبه بهم، وأما إذا لبسه الإنسان لا على ذلك النحو فلا مشكلة في ذلك ولا محذور.
وعلى كل حال حتى على هذا المسلك الثاني سينطبق عليه عنوان تعظيم شعائر الله والإعلام والاعلان عن قضية الحسين (عليه السلام) وهي أمر راجح ومستحب. وبالتالي التسويد لباساً في أيام محرم ليس فقط غير مكروه وليس فقط مباحاً، وإنما هو فوق ذلك مستحب، وجرت عليه سيرة العلماء والفقهاء والمتشرعة قديماً وحديثاً. نحن نرى مراجع التقليد ممن عاصرناهم وعاصرتموهم ونُقل عمن لم نعاصرهم؛ أن بعضهم كان يلتزم بالسواد طيلة شهري محرم وصفر، وبعضهم كان يقتصر على أيام شهر محرم، وبعضهم على أيام العشرة الأولى. فأساساً وفي اصل القضية سيرة المتشرعة وطريقة العلماء والفقهاء خلال القرون المتمادية كانت على هذا.
الفاجعة ومصائب آل البيت بعد عاشوراء
وحق الحسين (عليه السلام) وأهل بيته أن يُصنع بهم هذا الأمر، فإن هذا العظيم أعطى الذي ملكت يداه لِإلهه حتى الجنين فداه كل جنين، وبعزة قعساء خاطب نفسه:
يَا نَفْسُ لا تَهِنِي بِنَصْرِ الدِّينِ
هَذِهِ رِجَالِي فِي رِضَاكَ ذَبَائِحٌ ... مَا بَيْنَ مَنْحُورٍ وَبَيْنَ طَعِينِ
رَأْسِي وَرَأْسُ إِخْوَتِي مَعَ نِسْوَتِي ... تُهْدَى لِرِجْسٍ فِي الضَّلالِ مُبِينِ
ليس فقط قتلوا الحسين (عليه السلام)، بل والله قتلونا بقتل الحسين! جرحوا قلوبنا بذلك السهم المثلث الذي فتك بأحشاء الحسين، ولذلك ترى هذا الألم لا يزال مستمراً وهذه الدموع لا تزال مستمرة. متى تخلص هذه الدموع؟ متى يهدا هذا القلب؟ لكن الشاعر أجاب على ذلك:
تَبْكِيكَ عَيْنِي لا لأَجْلِ مَثُوبَةٍ ... لَكِنَّمَا عَيْنِي لأَجْلِكَ بَاكِيَةْ
ماذا حدث؟ يقول:
تَبْتَلُّ مِنْكُمُ كَرْبَلاءُ بِدَمٍ ... وَلا تَبْتَلُّ مِنِّي بِالدُّمُوعِ الجَارِيَةْ؟
أنتم بللتم تراب كربلاء بالدماء الزاكية، أفيحرم علي أن أبلل ثرى كربلاء بدموعي الجارية؟! وهذا الذي عليه سيرة شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، فطوبى لهم وهنيئاً لهم هذه العلاقة.
ويا ليت القضية وقفت عند قضية كربلاء ويوم عاشر وانتهى كل شيء، لا! الفصل الثاني كان أشد إيلاماً وأصعب منظراً على أئمة الهدى (عليهم السلام)؛ لذلك تجد في الزيارة الناحية يسلم: «السَّلامُ عَلَى النِّسَاءِ البَارِزَاتِ، تَلْسَعُهَا أَشِعَّةُ الهَاجِرَاتِ».
النساء في الطرقات وفي البيداء... تتصور الآن في مثل هذه الأيام سفراً على مثل الجمال مع هذه الشمس المحرقة؛ ونساء (بأبي وأمي) وأطفال وطفلات كيف سيكون حالهن؟! وهكذا حتى وصلوا من كربلاء إلى الكوفة بتلك المأساة وبتلك الصورة الفظيعة، فاستقبلهم هؤلاء الأجلاف بالتفرج عليهن، فزاد الألم ألماً وزاد الحزن حزناً. هؤلاء عائلة رسول الله، بنات رسول الله، أطفال ينتسبون إلى رسول الله وأنتم تصنعون بهم هكذا؟!
إلى هذه الدرجة التي بعضهم عندما رأى الأطفال جوعى وعطاشى، قاموا بتقديم شيء من التمر والجوز لهن! فتصور نساء وأطفال غريبات وفقيرات بينما هن أساس البركة والخير على هذه الأمة! فلما رأت زينب (عليها السلام) هذا المنظر نادت: «يا أهل الكوفة، لا تعطوا الأطفال التمر والجوز؛ ترى هذه بمثابة الصدقة فيها ذلة وفيها إهانة! نحن ترى نحن أساس الخير والبركة، نحن أساس النعم عليكم»:
تِتْصَدَّقْ الوَادِمْ عَلَيْنَا وَعَطَايَا الخَلْقْ ... كِلْهَا مِنْ إِيدِينَا
مَا خَابْ ظَنَّ عَتْنِي يَظَلّ كِلّ سَنَه يِرُوحْ وَيِجِينَا
حَسَافَه الدَّهْر هَالْخَان وَلِينَا ... نِذْبَح وَحْنَا انْسِبِينَا
وَلا طَارِشْ اللِّي يِصِلْ المِدِينَه ... يِخْبِرْ لِي يِخْبِرْ لِي بِالمَرّ عَلَيْنَا
أه، كأنكم يا أهل الكوفة لا تدربون بنا آل الرسول وحيدر الكرار؟! تدربون بنا من عشيرة وعزوة وأمجاد، صباحاً ومساءً لا تنقطع من الوفاء، وتتصدقون على اليتامى بفضول الزاد؟! يا ليت فاعل هذا الفعل تُقطع يمينه!