رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد

رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد
00:00 --:--

رؤية اجتماعية وفقهية في لبس السواد

بسم الله الرحمن الرحيم.

مقدمة العودة إلى مسألة لبس السواد

لا يزال حديثنا في بعض قضايا الموسم الحسيني، وقد بدأنا في ليلة مضت برؤية تاريخية حول موضوع "لبس السواد"، وكيف أنه كان في الأصل أمراً عادياً ونجد ذلك في روايات كثيرة أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا يلبسون السواد حتى في الأحوال العادية.

غير أنه بعد أن اتخذه الظالمون من بني العباس شعاراً لهم وعلامة مائزة تميزهم عن غيرهم، بل وأجبروا الناس في بعض الفترات على أن يتزيوا بلباس السواد، وحتى عرفوا تاريخياً بـ "المسودة"؛ صار هناك عنوان طارئ عليه، وهو أنه من ملابس أعداء الله من هؤلاء الظلمة. فإذا لبسه إنسان بعنوان التشبه بأولئك، دخل في ما جاء من الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: لا تَلْبَسُوا مَلابِسَ أَعْدَائِي، وَلا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أَعْدَائِي، وَلا تَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي».

فصار التزيي باللباس الأسود في ذلك الزمان (بدءاً من أيام العباسيين) بعنوان التشبه بهؤلاء الظلمة محظوراً وممنوعاً، وقد أُشير إليه في أحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه من لباس أهل النار (يعني هؤلاء الظلمة وهؤلاء الطواغيت).

بل قد يُصار إلى رواية سبقت ذلك في أيام نبينا المصطفى محمد:

 

من أنه نزل عليه جبرائيل وكان لابساً لباساً أسود وفي وسطه منطقة فيها خنجر، فقال له: «ما هذا؟»، فقال له: «هذا لباس ولد عمك العباس»، فقال: «وَيْلٌ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِ العَبَّاسِ» في قضية ذكرناها في ليلة مضت.

لعل هذه النظرة التاريخية -وقد شرحناها بشكل أكثر تفصيلاً من هذا المقدار- لعلها تعطي إشارة أو جهة إلى روايات أن هذا اللباس لباس أهل النار، وأنه لباس فرعون، وأنه مرهوب عنه وما شابه ذلك.

لبس السواد في العرف العربي والمجتمعات

أما بغض النظر عن هذا الأمر، فهل إن لباس السواد فيه مشكلة أم لا؟

لا شك ولا ريب أن المجتمع العربي قبل الإسلام وبعد الإسلام كان يعبر عن حزنه بلبس السواد حتى قبل الإسلام. وأساساً المجتمعات لها مناسبات معينة تعبر فيها عن أفراحها وأحزانها بملابس ومناسبات وأيام وما شابه ذلك:

  • فمثلاً في بعض المجتمعات كالمجتمع الهندوسي في الهند يعبرون عن الحزن بلبس الثوب الأبيض في الجنائز وما شابه ذلك؛ يلبسون البياض تعبيراً عن حزنهم على فقيدهم وميتهم زاعمين مثلاً أن البياض هو علامة الصفاء والنقاء وما شابه ذلك، وأنه يُرجى له أن يكون في منازل عالية وإلى غير ذلك. البياض في مثل الهندوسية هذا موجود كجزء من ثقافتهم وجزء من ديانتهم وموروثهم.
  • في بعض البلاد الأفريقية مثلاً الحمرة هي تعبير عن الحزن؛ قد ترى في بعض البلاد الأفريقية (واشتهر بذلك مثلاً غانا وغيرها) في جنائزهم ومناسباتهم يلبسون الأحمر المدرج أو الأحمر الممزوج بشيء خفيف من السواد، لماذا؟ كأنما مثلاً يقولون هذه مصيبتهم جمرية وحارة مثل الدم، فهذا تعبير منهم عن أحزانهم.
  • في المجتمع العربي كان السواد حتى قبل الإسلام علامة من علامات الحزن، وإن كان يُلبس السواد في أوقات أخرى مختلفة.

الحكم الفقهي للباس الأسود والكراهة العبادية

بعد مجيء الإسلام، نحن نلاحظ أن هناك روايات منها ما هو فيه إشعار بالكراهة في لباس الأسود، أنه يُكره للإنسان المسلم أن يلبس السواد ولا سيما في موضوع الصلاة، واستثنى رسول الله (كما ورد في الخبر وأيضاً عن الإمام الصادق)، واستُثني من ذلك: الخف، الكساء، والعمامة؛ فإنها لا تُكره في الصلاة.

وبشكل عام استفاد بعض الفقهاء من الروايات المشيرة إلى أن هذا الأسود والسواد لباس فرعون ولباس أهل النار أن فيه كراهة في الصلاة. وتعلمون أن الكراهة في الأمور العبادية ليست كالكراهة في سائر الأمور التي تركها أفضل، وإنما بمعنى أظلية أو "أقلية الثواب". فإذا قيل مثلاً: «يُكره الصلاة في الثوب الأسود»، فحينئذٍ معنى ذلك أن ثواب الصلاة فيه أقل من ثوابها في غيره لا أنه تعال اتركه أصلاً.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة