رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد

رؤية اجتماعية وفقهية فى لبس السواد
00:00 --:--

وأما إذا لم يكن كذلك؛ كأن يتغير الزمان، كأن يكون لباسه لا على سبيل التشبه (حتى بعض الأئمة ومنهم الإمام الصادق الذي عاش زمان العباسيين مع ذلك كان يلبس السواد لكن من غير تشبه بهم). فإذا كان الأمر كذلك فلا محذور فيه، وإن كان بالنظر إلى هذه الروايات ربما في موضوع الصلاة لا يحبذونه إلا فيما أُستثني.

لكن بعض هؤلاء العلماء يقولون: ليس عندنا شيء (حسب التعبير) موقف شرعي مضاد للون السواد بما هو سواد، وإنما لارتباط هذا اللون في زمان معين وفترة معينة بالظالمين والفسقة من بني العباس؛ فلا ينبغي لباسه حتى لا يصبح نوعاً من أنواع التأييد لهم.

لبس السواد في العزاء الحسيني كشعيرة إسلامية

وأما إذا كان عكس ذلك؛ كأن يكون هذا اللباس لإعلان الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فيكون ليس فقط جائزاً وليس فقط غير مكروه، وإنما يكون مستحباً؛ لماذا؟ لدخوله في تعظيم شعائر الله عز وجل. كل شيء يعظم عنوان الحسين (عليه السلام) وشعائر الحسين (عليه السلام)، يعلم الناس ويعلن قضية الإمام (عليه السلام) فحينئذٍ سيكون هذا الأمر ممدوحاً ومطلوباً باعتبار هذه الجهة، وهي جهة دخوله في تعظيم شعائر الله عز وجل ومنها قضية الحسين (سلام الله عليه).

وهذا الأمر الثالث هو الذي استقر عليه العلماء؛ سواء قلنا بأن في الأساس اللون الأسود مكروه ومرغوب عنه ويُستثنى منه ما كان في قضية الحسين والتشبه بشعار المحزونين أيام محرم، بل وسع بعضهم الدائرة وسائر المعصومين (عليهم السلام)؛ لأنه سينطبق عليه عنوان: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

كل شيء يؤدي إلى إظهار قضية الإمام الحسين والاعلان عنها -وذكرنا في ليلة مضت كيف أن لباس السواد هو إعلام بحد ذاته؛ عندما مثلاً الناس يرون في الحالة العادية كل الناس ملابسهم عادية بألوان مختلفة، وإذا مرة واحدة مع حلول أيام محرم انقلب المجتمع الشيعي كلياً أو أكثره إلى قضية السواد ولبس الأحزان، فهذا يدعو حتى إلى تساؤل الآخرين: ماذا حدث؟ فيكون ذلك سبباً في الإعلان عن قضية الحسين عليه السلام، ويبين ارتباط هؤلاء وحزنهم على هذه المصيبة والمأساة التي ارتُكبت بحق الحسين عليه السلام-.

فإذاً هناك الاتجاه الأول: أن السواد مرغوب عنه وخصوصاً في الصلاة إلا استثناء العمامة وبضمنها القلنسوة والعباءة والخف، وهذه روايات أن رسول الله قد استثنى ذلك والإمام الصادق أيضاً قال نفس الكلام، فهذا توجه إلا إذا كان ذلك اللبس على سبيل التحزن وإعلام بمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) فإنه ليس فقط غير مكروه ولا فقط مباح، بل يدخل في إطار الاستحباب الناتج من تطبيقه على تعظيم شعائر الله عز وجل. كل شيء يؤدي إلى تعظيم شعائر الله ومنها اسم الحسين وذكر الحسين ومصيبة الحسين، فإن هذا يكون من تقوى القلوب ويكون ممدوحاً ومرغوباً فيه.

التوجه الآخر يقول لك: لا، في الأساس نحن ليس عندنا شيء يدل على كراهة اللون الأسود حتى نحتاج إلى استثناء أشياء منه، ما جاء من الروايات في ذم السواد وكراهته إنما هو ناظر إلى حقبة معينة وفترة معينة وحالة معينة؛ وهي حالة التشبه ببني العباس الذين ظلموا أهل البيت وكان هذا شعاراً لهم وكان هذا عنواناً لهم. فإذاً ليس عندنا شيء يدل على أن اللون الأسود بشكل مطلق فيه كراهة حتى نحتاج إلى أن تستثني منه في الصلاة كذا وكذا، ونستثني منه أيضاً في الحالة العامة ما يرتبط بقضايا الحسين واللباس المعلن بالحزن على أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).

بل يؤيد هؤلاء كلامهم بأمور أخرى؛ مثل رواية عمر الأشرف بن زين العابدين (عليه السلام) التي نقلناها، وهي عادة يُستدل بها على هذا المعنى: أنه لما قُتل الإمام الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا من برد، وكان علي بن الحسين يعمل الطعام لهن للمأتم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة