يكره الصلاة مثلاً وأمامك بيت النار موقد (على سبيل المثال)، ليس معنى ذلك اترك الصلاة نهائياً وإنما يقول لك الأفضل لك أن تتجه إلى مكان آخر، هذا أقل ثواباً أن تصلي وأمامك مثلاً موقد أو أمامك دفاية حطب وما شابه ذلك؛ فالكراهة هي بهذا المعنى.
في المقابل وجدنا روايات ذكرنا بعضها في ليلة مضت؛ أن الإمام الصادق يأتي بكلام أشبه بقاعدة عامة، فإن جماعة على إثر وجود كلام وسؤال وجواب في موضوع لبس السواد صمموا على أن يذهبوا للسؤال عن هذه المسألة من الإمام الصادق (عليه السلام) ويرون ماذا يقول لهم.
يقول: فذهبنا إليه فإذا هو جالس قد لبس قلنسوة سوداء (قلنسوة مثل الطاقية)، ولبس خفاً أسود، ولبس جبة أو كساءً أسود (يعني هذه الملابس سواء الجبة مثل هذه أو الكساء مثل العباءة، بالإضافة إلى الخف الذي هو شيء بين الحذاء وبين الجورب كانوا يستخدمونه ولا سيما في أيام الشتاء والبرد لتدفئة أقدامهم ويبطن ببطانة أيضاً يعني ليس فقط مجرد قماش). ولما جلسوا سألوه، فأخرج لهم حتى قطن ذلك الخف كان أسود؛ من الخارج أسود ومن الداخل أسود! فحصلوا على الجواب بما معناه أننا أردنا أن نسألك يجوز أم لا يجوز، وأنت جالس في السواد كله! فسألوه أيضاً عن ذلك فقال: «بَيِّضْ قَلْبَكَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ»؛ يعني إذا كان قلبك نظيفاً في عقائده وفي أخلاقه، فأنت لست محاسباً على أن تلبس الأسود وما شابه ذلك.
وغير هذا من الروايات التي تشير إلى أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والمعصومين قد لبسوا السواد حتى في الحالات العادية؛ فإن نبينا المصطفى محمد:
قد دخل مكة فاتحاً وكانت عمامته سوداء، وأن الإمام الحسن المجتبى خطب في الناس بعد والده وعليه عمامة سوداء، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم استشهد في كربلاء كان عليه عباءة خز دكناء (دكناء: سواد كما قلنا في ليلة سابقة، ليس سواداً صافياً وقوياً ولكن سواد قد يكون مثلما نقول الآن سواداً عليه غبار)، فشهادته (صلوات الله وسلامه عليه) في وقت شهادته كان لابساً اللون الأسود، والإمام السجاد رُؤي وقد لبس الأسود، وذكرنا عن الإمام الصادق (عليه السلام) قبل قليل أنهم دخلوا عليه ورأوه بهذه الصورة.
هنا جاء العلماء وكان لهم اتجاهان في هذه المسألة:
الاتجاه الأول (المشهور):
ولعله يراه المشهور؛ أن الصلاة في الأسود مكروهة بهذا المعنى، وإلا بالنسبة إلى العمامة، وبالنسبة إلى الخف، وبالنسبة إلى الكساء (الذي هو يساوي العباءة)، هذا قسم من العلماء جمعوا بين الروايات التي تقول إنه لباس فرعون ولباس أهل النار وكذا، وبين أن النبي (صلى الله عليه وآله) استثنى هذه الأعداد وهذه العناوين (خف، كساء، وعمامة أو قلنسوة). وبالتالي جعلوا الأصل أنه ليس فيه استحباب لبس السواد لا سيما في الصلاة، ولكن يُستثنى من ذلك هذه الأمور. هذا قسم من العلماء كان عندهم هذا الاتجاه.
الاتجاه الثاني:
قسم آخر نظروا إلى أنه أساساً ما ورد من الروايات التي تنهى عن لبس السواد وتستكرهه وتصفه بأنه لباس أهل النار، هي ناظرة إلى مرحلة زمانية معينة وناظرة إلى جهة؛ وهي أن هذا اللباس كان في زمان العباسيين شعاراً لهم وكانوا إلى درجة يجبرون الناس عليه وقد ذكرنا بعض الأمثلة في ليلة مضت. فإذا كان الأمر هكذا، فإنما يكون لباس هؤلاء الظلمة، هؤلاء الفراعنة، هؤلاء الذين هم من أهل النار؛ فإذا لبسه الإنسان متشبهاً بهم ومؤيداً لهم كان ذلك اللباس مذموماً عموماً؛ لماذا؟ لأن فيه تأييداً للباطل وهذا تشبه، والحديث يقول: «لا تلبسوا ملابس أعدائي». فلما يلبس الشخص هذه الملابس في ذلك الزمان ضمن تلك الظروف ويكون قصده التشبه بهم، فهذا أمر محذور ومحظور.