«السلام عليك يا وارث عيسى روح الله»: أول وجه من وجوه التشابه بين هاتين الشخصيتين العظيمتين في جهة الأمهات؛ فإن عيسى بن مريم أمه الصديقة البتول مريم ابنة عمران عليها السلام التي كانت من القديسات وهي من سيدات أهل الجنة. وفي هذا المعنى تتطابق هذه الصفات مع الحسين عليه السلام، فإن أمه فاطمة؛ فاطمة بنت محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد)، وهي صلوات الله وسلامه عليها أيضاً البتول وهي أيضاً الزهراء وهي أيضاً المطهرة المعصومة، وهي سيدة نساء الجنة وسيدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين. وتشبهها إلى حد ما مريم في أنها من سيدات الجنة، هذه سيدة النساء على وجه الإطلاق، وتلك من سيدات الجنة، هذه أنجبت عيسى بن مريم، وتلك أنجبت أبا عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
ووجدنا في أحاديث رسول الله هذا الاقتران بين مريم ابنة عمران وبين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله.
وأما عيسى وزهده فكان الحسين أيضاً كذلك، وإلا كان بإمكان الحسين عليه السلام أن يسلم شيئاً قليلاً فيربح الدنيا ويعطيه الأمويون كل ما أراد لو استجاب لهم ولو بايع ولو عمل معهم، لكن زهده في هذه الدنيا وزهده في هذه الحياة جعله ينصرف عنها وعن شهواتها وأموالها، فشابه في ذلك عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليهما.
وأما قضايا مثل إبراء المرضى وما شابه ذلك، فأيضاً نحن نجد هذه الصفة عند الحسين عليه السلام، بل نجدها في تراب قبره بما جاء في الأحاديث المعتبرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله من أن الله عوض الحسين عن شهادته بأن جعل الأئمة من ذريته وجعل الشفاء في تربته. إذا كان عيسى بن مريم يحتاج إلى ممارسة مباشرة بحيث هو يأتي ويبرئ الأكمه والأبرص ويعالج بشكل مباشر، فإن الإمام الحسين عليه السلام يكفي أن تكون تربته مصدراً من مصادر الشفاء بحسب هذه الروايات أولاً، وبحسب التجارب الكثيرة المتواترة التي تبلغ شيئاً لا يمكن أن يتطرق إليه الشك من أحد.
الحسين وارث محمد وأمير المؤمنين
«السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله» (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد). أما مشابهة رسول الله ووراثة الحسين عليه السلام لذلك، فيكفينا هذا الحديث: «حسين مني وأنا من حسين». هذه الكلمات التي تبدأ بالحسين وتنتهي بالحسين وتتوسط بالحسين، بحيث يكون وجود رسول الله صلى الله عليه وآله من الحسين!
وهذا غريب؛ معروف أن الحسين من رسول الله باعتبار أنه ابن ابنته فهو منه، لكن كيف يكون الرسول من الحسين؟ وهذا الحديث معروف بين الفريقين مشهور بين المسلمين، يبقى أن يتأمل الإنسان في معناه. كأن بقاء الرسالة المحمدية واستمرار ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وديمومة الشريعة النبوية إنما كان من فضل تضحية الحسين عليه السلام وبعد عطائه هذا الذي لا حد له. فكان الإسلام محمدي الوجود -كما قال بعض العلماء- حسيني البقاء والاستمرار، فصار النبي من الحسين بهذا.
لولا تضحية الإمام الحسين عليه السلام لتحققت كلمات مخالفي رسول الله صلى الله عليه وآله ممن قال: «لا والله إلا دفناً دفناً»، وممن قال: «لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل»، وغيرهم ممن قال كلمات تعبر عن مخزون فكرهم وتوجهاتهم في إزالة الإسلام والقضاء عليه. نهضة الحسين عليه السلام أبقت هذه الرسالة المحمدية وبينت للناس الخط الصحيح في الدين، فبقي هذا الدين إلى يومك هذا ببركات هذا الدم الحسيني الشريف.
بل أكثر من هذا أيضاً، امتداد رسول الله صلى الله عليه وآله النسبي أولاً ثم المعنوي والرسالي ثانياً إنما كان من جهة الحسين وأخيه الحسن. في الأمر الأول (أي النسبي) لولا الحسن والحسين لتحقق ما أراده كفار قريش عندما قالوا إن محمداً أبتر لا ولد له وعن قريب يموت فينقطع نسله وأصله وذكره، لكن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال الحسنين أكبر ذرية في تاريخ البشر؛ معروفة ومحدودة الآن. لو قيل هل تستطيع أن تعد السادة الهاشميين على وجه الكرة الأرضية؟ لا يمكن ذلك، عشرات الملايين! وهذا أيضاً الذي يقول عشرات الملايين لا يعلم عن كل هؤلاء. فنسبياً بقي النبي بالحسين والحسن، ومعنوياً ورسالياً بقي النبي صلى الله عليه وآله من خلال امتداد أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى يومنا هذا حيث نعيش في ظلال قائم آل محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد)، وهو الذي لا يزال يحمل هذه الرسالة ويتوقع منه الفرج والظهور.