وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل

وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل
00:00 --:--

فهو امتحان مزدوج؛ الامتحان الأكبر هو لإبراهيم أن أي أب يقدم على تضحية بابنه استجابة لامر الله عز وجل هذا من الأمور الصعبة جداً ولا سيما إذا كان هو سيذبحه. وهناك نفس الامتحان من الجهة الأخرى أن الولد المطيع لله المسلم لأوامره يقبل بهذا الأمر ويستسلم له ويقول له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.

نجد هذا أيضاً نفس الامتحان قد وجد بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام. وإذا كان نبي الله إبراهيم لم يكمل الامتحان بمعنى أنه لم يجهز على ولده وإنما ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ﴾، إلا أننا نجد أن الإمام الحسين عليه السلام قدم ولده الشبيه برسول الله صلى الله عليه وآله قربانا في سبيل هذه الرسالة وهذا الدين، بل قدم أيضاً ابنه الصغير الرضيع في نفس هذا المشوار. نحن نجد هاتين الشخصيتين تشتركان في امتحان القربان والفداء من أجل الدين طاعة لله عز وجل.

  • تحطيم الأصنام:

كذلك إبراهيم عليه السلام، الله سبحانه وتعالى جعله محطماً للأصنام المادية التي تُعبد من دون الله عز وجل في زمانه، فذهب إليها بعد أمر الله عز وجل فـ ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾، حطم هذه الأصنام كلها وتحداها وواصل مشواره إلى الأخير ولم يخشَ في الله عز وجل لومة لائم.

وإذا كان إبراهيم الخليل قد حطم الأصنام المادية الحجرية، فإن الإمام الحسين عليه السلام قد حطم الأصنام البشرية التي كانت تضل الناس عن سبيل الله عز وجل مثلما كانت تلك الأصنام الحجرية تضل الناس عن عبادة الله الواحد الأحد، ومضى على هذا الطريق إلى الأخير حتى استشهد في سبيل ذلك.

إبراهيم الخليل عليه السلام تحدى تلك الأصنام مع أنه كان هناك تهديد أن يُلقى به في النار، ولكن الله سبحانه وتعالى جعلها عليه برداً وسلاماً. وبالنسبة إلى الحسين عليه السلام، تحدى طغيان بني أمية والأصنام البشرية التي أقيمت من غير هداية وإنما لتضل عن سبيل الله عز وجل.

وسبحان الله، هذا التحطيم للأصنام إلى يومك هذا يجد الإنسان أثره وينتاجه في أنه من كان مضلاً عن سبيل الله من الطواغيت والجبت، نهضة الحسين عليه السلام وتضحية الحسين فضحت هؤلاء. ولذلك لا غرابة أننا وجدنا أن هذه الأصنام البشرية ظلت على حرب مع الحسين عليه السلام ولم تتوقف هذه الحرب (يعني ما كان فقط حربه مع يزيد، وإنما وجوده، وجود مثاله، وجود فكرته ومنهجه في الأمة كان يرى فيه بقية الخلفاء من بني أمية وبني العباس ومن بعدهم يرون فيه تحدياً لهم). ولذلك سعوا لتدمير قبره، ولذلك سعوا لمنع شعائره، ولذلك قاموا بهذه الأعمال لأنهم يرون وجود هذا المثال في الأمة على النقيض منهم وهو يتحداهم ويبعث في النفوس العزة والكرامة التي تشجع الناس على مقاومة هذه الأصنام البشرية التي تأتي بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

فإذاً نحن نجد في هذين المثالين أن كلا الشخصيتين (النبي إبراهيم والإمام الحسين عليه السلام) أعلناها حرباً على طواغيت زمانهما، على الأصنام الحجرية والأصنام البشرية، ولم يخشيا في ذلك الأمر لومة لائم على الإطلاق.

  • قبلة القلوب وكعبة العشاق:

بل أكثر من هذا، نجد في وجوه التشابه أن إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام بنى لله بيت التوحيد (الكعبة) ودعا الله سبحانه وتعالى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليه والى من حوله، واستجاب الله سبحانه وتعالى له ذلك، فأعلى شرف الكعبة المقدسة وجعل أفئدة الناس تهوي إليها من آخر بلاد الدنيا، يصرفون الأموال بشوق ومحبة كبيرة للوصول إلى الكعبة المشرفة.

الحسين عليه السلام قبره تحول إلى شيء من هذا القبيل، وكأنه كعبة لعشاقه وكأنه بيت من البيوت التي يقصدها المؤمنون وتهوي إليها أفئدة الموالين للحسين عليه السلام. تنظر إلى زيارة الأربعين والى زيارة عاشوراء في أيام محرم وسائر الزيارات، قلت لكم مثلاً هذا الآن ٥٨ زيارة أشار إليها أئمة الهدى عليهم السلام. وأما الحضور الشخصي من قبل الناس فيتحدث عن ملايين، بحيث لا يصدق الإنسان بحسب مقاييسه البسيطة كيف أن هذه الجموع الغفيرة المليونية تحتضنها هذه الأرض من شتى أقطار الدنيا. أقام النبي إبراهيم بناء التوحيد وكعبة العبادة، وأقام الحسين عليه السلام بمرقده الشريف بيت الولاية وكعبة المحبين لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة