نعتقد أن الفكرة الأولى من المشابهة بين آدم وبين الحسين، ووارثية الحسين لصفة الاصطفاء لشخصه الشريف ولأولاده، وأن جعلت الإمامة في ذريته كما جعلت النبوة في ذرية آدم، وتاسعية نوح صاحب الرسالة العالمية التي أعقبها قضية الطوفان لمن تخلف؛ هذا كله يمكن أن يُشار إليه على أنه جهة اختصاص.
هناك جهة أخرى أيضاً، وهي قضية السفينة فيما يرتبط بوارثية الإمام الحسين لنوح (عليهما السلام)؛ يمكن أن نسترشد بما ورد من أن سبيل نجاة الكل في زمان نبي الله نوح (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) كان سبيل النجاة الوحيد هو سفينة نوح: ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾. تصعد جبلاً، تركب بناية، تتعلق بشجرة... لا يفيد، وإنما المنجى الوحيد هو سفينة نوح (عليه السلام)، مع أن الاعتبارات الخارجية الظاهرة تقول بعكس ذلك. يعني لو حدث مثل هذا الفيضان -على سبيل المثال- والسيول، وكنت بالخيار بين أن تركب على جبل صخري ثابت يعانق السماء علواً، وبين أن تركب في سفينة؛ الإنسان بشكل طبيعي يقول: «السفينة يمكن أن تنخرق، يمكن أن تنقلب، يمكن كذا أو ذاك... أما الجبل فماذا يهزه؟ يا جبل ما يهزك ريح -حسب ما يقولون-».
فمقتضى القياسات الظاهرية العادية أن الإنسان يذهب إلى الجبل. في ذاك الوقت يقول: ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ بأن يركب هذه السفينة وأن يكون فيها. فكل من يركب في هذه السفينة ناجٍ، وكل من يتخلف عنها ولو بزعم أنه سيعصمه جبل من الماء، ويدخل في منهج آخر غير منهج أهل البيت (عليهم السلام)؛ فلا نجاة له.
هنا أيضاً التعبير الموجود في الحديث المشهور أنه مكتوب على ساق العرش أو على يمين العرش: «إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة». استعمال هذا التعبير كبير، قد لا يكون بعيداً عن استحضار صورة سفينة نوح: "السلام عليك يا وارث آدم، ويا وارث نوح".
توجيه الشيخ التستري لمصيبة الحسين وأنبياء الله
هناك توجيه ذكره الشيخ التستري (رضوان الله تعالى عليه) -وهو من علمائنا الكبار، أحد تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري، وكان فقيداً مجتهداً وصاحب رسالة عملية، وكان يُقَلَّد في منطقة تستر أو شُشْتَر بالعربية (تُكتب تستر، وبالفارسية ششتر؛ ولذلك قد يُنسب مرة فيقال القاضي الششتري ومرة يقال القاضي التستري بناءً على هذا التعريب)- هذا الرجل مع فقاهته وكونه مرجع تقليد في منطقته وأن عنده رسالة عملية، كان يصعد المنبر ويقرأ رثاء الحسين (عليه السلام).
وهذا كان في وقته -بل في الأفق العربي- شيئاً غير سائد وغير رائج؛ كان خصوصاً حتى في أزمنتنا المتقدمة (قبل ٦٠، ٧٠، ٨٠ سنة في هذه الحوالي) ترى نادراً أن يكون عالم فقيه مجتهد له باع طويل من العلم يصعد المنبر ويقرأ الرثاء وما شابه ذلك، بل ربما في بعض الأوقات اقترن أمر أن هذا "مُلا" وأن هذا "خطيب حسيني" يعني ليس عنده علم، عنده الصوت وعنده كذا... لا، هذا الشيخ الششتري (رضوان الله تعالى عليه) كان فقيه مقَلَّداً، صاحب رسالة عملية، من أعيان تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).
يقول: هناك وجوه للمشابهة بين آدم صفوة الله ونوح نبي الله؛ طبعاً هو يربطها بالمصيبة التي حلت على كلا الشخصيتين، فيقول:
آدم فُجِع قلبه برؤية ابنه هابيل مقتولاً على يد أخيه قابيل الشرير، فذاق لذعة الألم وفقده، وفقد الابن، وبالتالي تحمل ذلك وصبر، فعوضه الله سبحانه وتعالى أن جعل من ذريته شيث النبي (شيث هبة الله سبحانه وتعالى)، وبذلك برئ قلب آدم؛ لأن هابيل يُفترض بحسب المقاييس الاعتيادية أنه هو المطيع، وهو السابق إلى طاعة والده وطاعة ربه، فكان الأمل فيه.