أضواء على زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام

أضواء على زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام
00:00 --:--

جمع الله بيننا وبينك... هذا بعد نهاية الزيارة دعاء، ثم بعد ذلك أيضاً في الوداع يوجد زيارة ودعاء من قبل الزائر لكننا لا نتعرض إليه. ينتهي الزائر بعد هذه الشهادات وبعد ذلك السلام إلى الدعاء، كما ذكرنا في أن بنية الزيارات العامة هي هكذا: سلام، ثم شهادة، ثم دعاء.

"جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ فِي مَنَازِلِ المُحْسِنِينَ، فَإِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"

الزيارة المفروض أي زيارة (كما ذكرنا في أوائل هذه الليالي) تتحقق بمجرد الوصول إلى المكان، لكن كمال الزيارة هو في الثناء على المزور، وأكمل من ذلك قراءة الزيارات المأثورة والمنصوصة والمروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لأن فيها كنوزاً علمية ومعرفية كثيرة لو توجه الإنسان إلى معانيها. هذا شيء مما ورد في زيارات أبي الفضل العباس (سلام الله عليه).

القسم الخامس: المجلس والمقتل والأبيات الفخرية/الرثائية

والحق أنه لم يهن ولم ينكل وإنما مضى على بصيرة من أمره وبينه حتى دافع عن أخيه الحسين، بل عن إمامه الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). هذا البطل الذي ذكر الأعداء ببطولة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، انتهى به الأمر إلى أن يبقى وحيداً مع الحسين (عليه السلام) بعدما تفانى أصحاب الحسين.

أولاً بدأ الأنصار تفانوا، ثم بعد ذلك بدأ الهاشميون وكان في طليعتهم شبيه رسول الله علي الأكبر (سلام الله عليه)، ثم دارت الدائرة على آل الحسن المجتبى وآل عقيل وسائر بني آل أبي طالب، إلى أن لم يبقَ مع الحسين إلا أخوه أبو الفضل العباس (سلام الله عليه). وهو في كل حالة يستأذن للقتال من أخيه الحسين فيستبقيه الحسين (عليه السلام) ويقول له: «أَنْتَ عَمُودُ خَيْمَتِي، أَنْتَ العَلاَمَةُ مِنْ عَسْكَرِي، إِذَا أَنْتَ قُتِلْتَ يَؤُولُ جَمْعُنَا إِلَى الشَّتَاتِ، وَتَنْبَعِثُ عِمَارَتُنَا إِلَى الخَرَابِ».

أنت وجودنا يا أبا الفضل العباس، بوجودك يبقى هذا المخيم، ببقائك تأمن النساء، ببقائك تطمئن قلوب الهاشميات. لكن وصل الحال إلى أن أبا الفضل العباس جاء إلى أخيه الحسين وقال له: «أبا عبد الله، لا طاقة لي على الصبر» (أنت لسان الحال، أنت إمام معصوم يوازن صبرك الجبال، ولكن أنا لا أستطيع التحمل). لماذا؟ قال: «وأنا أسمع صوت الصبية والنساء وكل ينادي: العطش العطش!» فما أستطيع التحمل، لا بد إذاً أن تأذن في القتال. قال له أبو عبد الله: «إِذاً فَاطْلُبْ لِهَؤُلاءِ الأَطْفَالِ قَلِيلاً مِنَ المَاءِ».

لعله في هذه المعركة الأخيرة، الوحيد الذي خرج مع القربة كان أبا الفضل العباس (سلام الله عليه)، وخرج لكي يطلب الماء للأطفال والنساء. ذهب أبو الفضل العباس فما رجع إلى الخيمات وما رجعت القربة وما رويت النساء، ذلك أنه نزل إلى الشريعة وكان قلبه كصالية الغضا من شدة العطش، وأراد أن يشرب ولكنه تذكر ذلك العطش فرَمَى الماء من يده... كيف أشرب؟!

(شعر شعبي/رثائي):

وَشْلُونْ أَشْرَبْ وَاخُويْ حْسَيْنْ عَطْشَانْ؟

سَكْنَة وَالْحَرَمْ وَأَطْفَالْ رُضَّعَانْ

وَأَظُنْ قَلْبِ الْعَلِيلْ الْتَهَبْ نِيرَانْ

يَا رَيْتِ الْمَايْ بَعَدْ لا حَلّ وَلا مَانْ

رمى الماء على الماء، ملأ القربة، زمّها ووضعها على عاتقه، رجع إلى القوم يقاتلهم قتال الأبطال، فازدلفت إليه الألوف وازدحمت عليه الصفوف، وكل همه إيصال القربة إلى المخيم. عز عليك أبا عبد الله، بينما هو يقاتل جاء لعين ضربه بالسيف على يمينه...

أخذ السيف بشماله، أعاد الحملة، جاءه لعين آخر ضربه بالسيف على شماله...

وقف بأبي وأمي لا يستطيع القتال، وجاءته السهام والنبال كرش المطر، فسهم أصاب القربة وأُريق ماؤها، ومعها أُريق أمل أبي الفضل بالعودة إلى الخيام. جاء سهم في عينه (سلام الله عليه)، أحنى رأسه لكي ينتزع السهم من عينه، جاء لعين بعمد الحديد ضربه بالحديد على رأسه، هوى إلى الأرض صريعاً منادياً: «عليك مني السلام يا أبا عبد الله!».

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة