وإلا يمكن أن يقول قائل: مع رسول الله كانت نسبة القوة بينه وبين الأصحاب وبين كفار قريش نسبة محدودة (الثلث تقريباً) وفي بعض الأماكن دون ذلك وبعضها أكثر، مع ذلك وجدنا في أصحاب رسول الله من يفر من المعركة، مع أن احتمال الموت والقتل مع الحسين شبه مؤكد تقريباً بينما مع رسول الله كان احتمال النجاة موجوداً. مع ذلك، مع الفاصلة الكبيرة (يعني الآن أقل ما يقال في أصحاب عمر بن سعد ما جاء في الروايات هو ٣٠,٠٠٠ في مقابل ١٠٠ شخص، يعني كم؟ واحد إلى ٣٠٠ شخص!).
هناك أقصى ما صار مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لهم: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، المعادلة هكذا. أقصى شيء أين هذا وأين ٣٠٠؟ مع احتمال النجاة الكبير هناك وانعدام فرصة النجاة هنا، مع ذلك ثبت أصحاب الحسين (عليه السلام) وواصلوا القتال إلى شهادتهم (صلوات الله عليهم) وأمور أخرى.
إذاً، إذا كان الأمر هكذا، لماذا تقول الزيارة «أشهد أنك مضيت على ما مضى عليه البدريون»؟ كأنما مثلاً البدريون هم نموذج ومثال أعلى؟ الجواب على ذلك: كلا. أحياناً الإنسان يحتاج في التعبير إلى شيء ظاهر بارز طيب حتى عامة الناس عندما ينظرون إليه يعرفون. تقول مثلاً هذا لنفترض وجهه كأنه شمعة، هو قد يكون الوجه أجمل من الشمعة وأفضل وإلى آخره، لكن لأن الشمعة أمر معروف عند الناس وسهل الانتقال إليه والتمثيل به، فيقال وجهه مثل هذا الشكل. وكثير من الأمثلة هي من هذا النوع يؤتى بها في التمثيل لقربها من السامع.
كذلك هنا «ما مضى عليه البدريون»، إما على أصل الخط وهو خط رسول الله ودين رسول الله وغير ناظر إلى موضوع الشرف والفضيلة، وإما المقصود هو أن التشبيه يراد منه بيان مصداق معروف لدى الناس: على ما مضى عليه البدريون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابون عن أحبائه. يمكن أن يكون هناك وجه آخر أن التشبيه بالبدريين هو أحد الوجوه، فيقول: على ما مضى عليه البدريون (واحد)، والمجاهدون في سبيل الله (اثنان)، والذابون عن دين الله (ثلاثة) وهكذا.
"فَجَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ الجَزَاءِ، وَأَكْثَرَ الجَزَاءِ، وَأَوْفَرَ الجَزَاءِ، وَأَوْفَى جَزَاءِ أَحَدٍ مِمَّنْ وَفَى بِبَيْعَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَأَطَاعَ وُلاةَ أَمْرِهِ"
هذه الشهادة الثالثة. الشهادة الرابعة:
"َشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ"
ما قال نصحت، نصحت درجة ومرت، لا، هنا «بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود». لا أنك مثلاً بذلت مجهودك، لأن الإنسان في بذله المجهود على درجات؛ فالدرجة الأولى هي الدرجة المعتادة، درجة أخرى هي فوق المعتاد، الدرجة الثالثة «غاية المجهود» والذي يعبر عنه القرآن الكريم في كثير من الأحيان بحق الجهاد: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، الغاية التي بعدها لا يوجد مجال خلاص، هذه نهاية الدرجات، أنت فعلت هكذا وأعطيت غاية المجهود.
"فَبَعَثَكَ اللَّهُ فِي الشُّهَدَاءِ، وَجَعَلَ رُوحَكَ مَعَ أَرْوَاحِ السُّعَدَاءِ، وَأَعْطَاكَ مِنْ جِنَانِهِ أَفْسَحَهَا مَنْزِلاً وَأَفْضَلَهَا غُرَفاً، وَرَفَعَ ذِكْرَكَ فِي عِلِّيِّينَ، وَحَشَرَكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً"
هذه الشهادة الرابعة. الشهادة الخامسة (طبعاً أنت تصور أن القائل لهذه الشهادات أولاً هو الإمام الصادق عليه السلام يعلم أبا حمزة الثمالي، وتكتسب هذه الشهادات -ما دامت صادرة من الإمام الصادق حتى ولو كانت لأجل تعليم أبي حمزة الثمالي- تكتسب أهمية كبيرة في أنها قادمة من معصوم لا يزيد في كلامه ولا ينقص وإنما يبين الحقائق كما هي). الشهادة الخامسة:
"أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ، وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ، مُقْتَدِياً بِالصَّالِحِينَ، وَمُتَّبِعاً لِلنَّبِيِّينَ"