أضواء على زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام

أضواء على زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام
00:00 --:--

حالة التسليم هي أرقى حالات العبودية. ذكر العلماء، ومنهم المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم رضوان الله تعالى عليه (وهو عالم جليل، وتفوقه العلمي سخره في اتجاه قضايا كربلاء، عنده كتب كثيرة حول كربلاء عن العباس وعن القاسم وعن مقتل الحسين وإلى آخره، وكل كتبه في هذا الباب نافعة ومتينة ويعتمد عليها الكثير ممن يدرس قضية كربلاء)، من جملة ذلك لديه تحليل جميل في هذا، يقول: الإنسان له مراحل؛ قد يكون راضياً بما قسم الله عز وجل، وقد يكون طائعاً، وقد يكون مسلّماً. وأرقى درجات العلاقة مع الله سبحانه وتعالى من قبل العبد هي علاقة التسليم أنه مسلّم، في ضمن شرح طويل لمن أراد يستطيع الرجوع إليه.

هنا أنت تشهد لأبي الفضل العباس بالتسليم للحسين (عليه السلام)، وبالتصديق لما أخبر عنه، وبالوفاء لما عاهد العباس وأصحابه الحسين (عليه السلام)، والنتيجة أنهم وفوا. ليس فقط تصديق وإنما حولوا ذلك إلى أمر عملي.

لما يقول هنا مثلاً: «والنصيحة لخلف النبي المرسل»، ما قال «لأخيك الحسين»؛ لأخيك الحسين فيها جانب نسبي وعلاقة نسبية، وإنما هنا هذه الأشياء التي يشهد الزائر فيها لأبي الفضل العباس هي لخلف النبي المرسل. القضية قضية عقائدية، الحسين هنا ليس باعتباره ابن أمير المؤمنين وباعتباره أخ العباس (عليه السلام)، وإنما ترتقي إلى درجة أنه لا، هذا خليفة الرسول، هذا الإمام المفترض الطاعة. ملاحظة هذه الجهة تعني تمحض الجانب العقائدي عند أبي الفضل العباس (عليه السلام) لخلف النبي المرسل.

«لخلف النبي المرسل» (واحد)، «والسبط المنتجب» (سبط رسول الله وقد انتجبه الله سبحانه وتعالى للإمامة)، «والدليل العالم، والوصي المبلغ». لاحظ كل هذه الصفات ترتبط بأمور عقائدية ليست بأمور نسبية، في هذا الموضع كأننا لا نجد أثراً للحالة النسبية كأن يقول «بالوفاء والنصيحة لأخيه الحسين ولابن والده» وما شابه ذلك، وإنما كلها صفات عقائدية ومواضع تشير إلى مرتبة الحسين (عليه السلام)، فهو خلف النبي المرسل، هو الوصي، هو المنتجب، هو العالم، هو الدليل والمظلوم المهتضم.

"فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَعَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلَ الجَزَاءِ بِمَا صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ وَأَعَنْتَ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَكَ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ".

سبحان الله، مرة الواحد يلعن القاتل المباشر وهذا واضح، الذي مثلاً قتل الإمام الحسين (عليه السلام) أو قتل أبا الفضل العباس مباشرة يستحق اللعن وهذا أمر بديعي. لكن من جهل حقه أيضاً يُلعن! من استخف بحرمته أيضاً يُلعن! مما يعني أن الأمة ليست فقط الجهة المباشرة هي التي ترد السؤال والعتاب والعقاب الإلهي، وإنما الفاعل المباشر يعمل ذلك ويحمل ذلك ويُسأل عنه، وأيضاً الأمة التي خذلت، الأمة التي استخفت بالحق، الأمة التي هتكت الحرمة العامة.

وهذا نفس الشيء أيضاً نجده في زيارات الإمام الحسين (عليه السلام): «لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به» حتى إلى هذا المقدار.

"وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَاءِ الفُرَاتِ"

هذه أول شهادة: تسليم، تصديق، وفاء، نصيحة لخلف النبي المرسل، هذه كلها إشارات إلى موقع أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) من أخيه بما هو وصي ومبلغ ودليل.

الشهادة الثانية:

«أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً، وَأَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ».

نظرة على التاريخ ونظرة على المستقبل؛ كيفية قتلك كانت بسبيل المظلومية، ومستقبلاً أيضاً لم تنتهِ القضية وإنما الله سبحانه وتعالى منجز لكم يا أهل البيت ويا أتباع الحسين، أيها المؤمنون منجز لكم ما وعدكم. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ... وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة