لماذا نهتم بنهج البلاغة

وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة . وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور . قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب فخلبت القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون رماها . واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء . وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الإلهي ، واتصل بالروح الإنساني . فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى . ونما به إلى مشهد النور الأجلى . وسكن به إلى عمار جانب التقديس . بعد استخلاصه من شوائب التلبيس . وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة ، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب . ويرشدهم إلى دقاق السياسة . ويهديهم طرق الكياسة ،

ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ويصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ) . لمعرفة أهمية نهج البلاغة لا بد أن نعرف موقع الفكر والثقافة في حياة المجتمعات ,ولذا لم يكن غريبا أن تكون رسالة الاسلام الذي هو خاتم الديانات والرسالات السماوية للانسان ، أن تكون رسالته رسالة ( ثقافية ، وفكرية ) . ابتدأ تلك الرسالة بقول الله تعالى لنبيه ( اقرأ ) بينما كان من الطبيعي مادامت الرسالة قد جاءت لتعريف الناس طريق عبادة الله أن تبدأ بالتكاليف الشرعية ، كأن تقول : صل ، صم ، حج ، تشهد الشهادتين

وهكذا ! . بينما نجد أن مفتتح القرآن بناءا على الرأي المشهور بين العلماء أن هذه الآيات هي أول ما نزل على رسول الله يأمره الباري سبحانه بالقراءة وبالعلم والتثقف (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) ثم ينبغي أن نلاحظ المناسبة أيضا ,لا يقول القرآن الكريم اقرأ وربك الأكرم الذي خلق السموات والأرض وأجرى البحار والأنهار, مع أن السموات والأرض بحسب بادئ النظر أعظم مخلوقات الله ومن أعظم نعمه على الإنسان , لكنك تراه هنا يؤكد على معنى تعليم الإنسان بالقلم (وربك الأكرم الذي علم بالقلم ,علم الإنسان ما لم يعلم ) . فاتحة هذه المهمة العظيمة الشاملة التي سيقوم بها رسول الله (ص) وأول عمل يأمره به القرآن الكريم يرتبط بالفكر والثقافة ,بل إن المعجزة التي جعلها الله

لرسوله خالدة هي معجزة قولية ترتبط بالفكر والعلم . ذلك أن المعاجز في تاريخ الأنبياء على قسمين : فإن الأنبياء السابقين لرسول الله كانت معاجزهم فعلية ,كمعجزة نبي الله موسى حيث (قلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ) ,فإن النبي يزود بشيء خارق للعادة بحسب زمنه ويعجز الموجودين عن الاتيان بمثله ومن خلال ذلك تتبين معجزة النبي ,وهكذا عندما يؤمر بالقاء عصا عادية بحسب الظاهر (فإذا هي تلقف ما يأفكون ) هذه معجزة فعلية ,ترتبط بالفعل . هذا بالنسبة إلى موسى وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الأنبياء ، فنبي الله عيسى (أبرء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ) وهي ترتبط بالأفعال . أما معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وهي

القرآن فهي معجزة ترتبط بالقول, بالفكر,والعلم ,وتختلف المعجزة الفعلية عن القولية بأن المعجزة الفعلية متصرمة زمانا ومنتهية مكانا ,بخلاف القولية والفكرية . فنحن الآن لا نستطيع أن نطلع على معجزة موسى أو عيسى أو سائر الأنبياء وإنما نصدق بحسب ما بلغنا من خلال القرآن والأحاديث . أما المعجزة القولية واللفظية كالقرآن الكريم فلا تزال حاضرة بين الناس ,يستطيع ذوو الإدراك أن يتعرفوا على جهات إعجازه , مثلما صنع الذين نزل عليهم في أول الإسلام .ولهذا وجدنا أن عددا غير قليل ممن تأمل في القرآن وآياته من غير المسلمين قد أدركوا أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من بشر بل هو كلام الله للناس . وينبغي أن لا نغفل عن أهمية الفكر فعلى اساسه تقوم المجتمعات والحضارات ، وتتميز ..

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة