فقد كان يوجد في زماننا معسكران ,المعسكر الشرقي والآخر الغربي , وقد بدأ المعسكر الشرقي يتبخر , ما هو الفرق بينهما ؟ الفرق هو في فكرتين قام عليهما كل من المجتمعين فبات هذا المجتمع متميزا عن ذلك المجتمع. فالباحثون عندما يتحدثون عن بدايات التأسيس يذكرون كتاب (ثروة الأمم ) الذي كتبه العالم الاقتصادي الغربي آدم سميث وكان نواة لقيام الثقافة التي تأسس عليها المعسكر الغربي المعروف اليوم,,في اقتصاده وفي نمطه الأخلاقي والحضاري , حيث جعل الغرب هذا الكتاب إماما له وقاعدة يعتمد عليها . في الطرف المقابل كانت كتابات كارل ماركس هي الأساس الذي اعتمد المعسكر الشرقي عليه فتبلور معسكران ، يبتني كل مجتمع منهما على فكرة تختلف عن الفكرة الأخرى . كان الغرض من ما سبق الإشارة إلى أن
الثقافة والفكر هي أساس البناء الاجتماعي . وربما لهذه الجهة كانت بداية هذه الأمة ( منظومة فكرية ) تتوزع في آيات القرآن الكريم . وقد استوعبها قادة الدين وأئمة المسلمين .. وكان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في طليعة من تحدث عن تلك المنظومة في فترة حياته المباركة ، بجدارة كافية حيث أنه الباب لمدينة العلم النبوي التي من استقى منها فعلّ وانتهل. الطريف أن هناك أحاديث متعددة في هذا المعنى وإن كان المشهور منها واحدا .فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله : فعن الرسول صلى الله عليه وآله : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها - أنا مدينة الفقه وعلي بابها . وفي تتمة الحديث المشهور والحديثين الآخرين ، أن من أراد العلم والحكمة
فليأت من الباب .. فلا بد لمعرفة علم النبي ، وبصائر القرآن ، ومنظومة الاسلام الفكرية أن نلج من باب المدينة العلمية والفكرية ، وهو حديث علي بن أبي طالب .. واليوم يعتبر كتاب ( نهج البلاغة ) من أهم ما بقي من كلمات علي بن أبي طالب ، ومن تراث تلك المدينة العلمية الحكمية . لماذا ينبغي الاهتمام بنهج البلاغة ؟ بالاضافة إلى الجهات السابقة المذكورة نشير إلى قضية أصلية هنا ، وهي أن أي كتاب إنما يكون مهما لجهة ( أو جهات ) توجد فيه فتجعل من المهم الاعتناء به والاهتمام بمطالعته : ـ فإما أن يكون الكتاب مهما لجهة كاتبه ومؤلفه ، بأن يكون المؤلف ضليعا في فنه ، أو مشهورا في بلده ، أو يكون شاهدا
على حدث قد تم ، فتكون شهادته شهادة حاضر معاين . أو لكونه رئيس مدرسة فكرية ويراد التعرف على معالم تلك المدرسة من خلال كلماته وبياناته . ـ وقد يكون الكتاب مهما لجهة أخرى وهي موضوع الكتاب ، بحيث يعالج ذلك الكتاب قضية مهمة ويشرح أبعادها وآثارها . ـ وقد يكتسب الكتاب أهمية من جهة زمن تأليفه وتصنيفه . فإن بعض الكتب ربما تتحدث عن قضية عادية لكنها تكتسب أهمية بحسب زمن تأليفها . ولو أردنا أن نطبق عناصر الأهمية تلك على نهج البلاغة فإننا سنجده يحتوي على الدرجة العليا من كل مقياس :أما القائل فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه) حيث يتفق المسلمون على أن عليا بن أبي طالب كان من الطبقة الأولى في
علماء الصحابة ، ويرى أكثر المسلمين على أنه أعلم الصحابة وبعض المسلمين كالشيعة يعتقدون بعصمته بالاضافة إلى علمه . هذا الموقع أهل عليا عليه السلام لكي يكون مؤثرا جدا في الكثير من الفرق والجماعات المسلمة والمذاهب التي يدعي كل منها الانتساب إليه ، وهي بذلك تعترف بتأثرها المباشر بفكره ، وهو ما يشير إليه إبن أبي الحديد المعتزلي : (وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى . وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لان شرف العلم بشرف المعلوم