، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم . ومن كلامه عليه السلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ فإن المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه ، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه السلام . وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبى الحسن علي بن " إسماعيل بن " أبى بشر الأشعري ، وهو تلميذ أبى على الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام . وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
هذا بالنسبة لصاحب الكتاب . وإذا نظرنا إلى الأمر الآخر وهو تأريخ الكتاب فإنه يعالج مرحلة من أهم المراحل في تأريخ الأمة الإسلامية, وفهم ما جرى فيها هو الذي يجعل الأمة فرقا وطوائف ، فإنه يمكن القول بثقة تامة أن هذه الفرق والطوائف والمذاهب الموجودة في العالم الإسلامي وليدة نقطة وهي فهم ما جرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله . وحيث أننا لم نعايش تلك الفترة ,فلابد أن نلجأ إلى من كان معاصرا لها لينقل لنا بأمانة ما حصل كيف حصل ؟ ويفسر لنا لمَ حصل ما حصل .. ولن تجد كعلي صلوات الله وسلامه عليه صادق القول عميق الفكر محيطا بما حصل بعد وفاة رسول الله علما وتحليلا . ثالث الأمور يرتبط بالموضوعات التي تناولها نهج
البلاغة , وقد ذكرنا فيما سبق أن نهج البلاغة لا يحتوي كل كلام أمير المؤمنين عليه السلام , لكن هذا المقدار الموجود فيه غنى وكفاية لمن أراد أن يتأمل ويتعرف على المنظومة الفكرية للإسلام في عقائده أو نظامه الاجتماعي والسياسي , فقد تحدث الامام في عهده لمالك الأشتر النخعي عن طرق إدارة الحياة السياسية والاجتماعية . كما تحدث في مباحث التوحيد , بحيث قال بعضهم أن أول من فتق الكلام في مباحث التوحيد كان أمير المؤمنين في وقت لم يكن أصحاب رسول الله يعرفون معشاره فانظر إلى خطبه عليه السلام متى كان يعرف أصحاب النبي مثل هذا الكلام ؟ ( الحمد لله الدال على وجوده بخلقه . وبمحدث خلقه على أزليته . وباشتباههم على أن لا شبه له . لا
تستلمه المشاعر ، ولا تحجبه السواتر ، لافتراق الصانع والمصنوع ، والحاد والمحدود ، والرب والمربوب . الأحد لا بتأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب ، والسميع لا بأداة ، والبصير لا بتفريق آلة ، والشاهد لا بمماسة والبائن لا بتراخي مسافة ، والظاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة . بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها . وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه . من وصفه فقد حده ومن حده فقد عده ، ومن عده فقد أبطل أزله ، ومن قال كيف فقد استوصفه ، ومن قال أين فقد حيزه . وعالم إذ لا معلوم . ورب إذ لا مربوب . وقادر إذ لا مقدور) . تكلم عن التاريخ وتكلم عن الحاضر ,تكلم عن الأنبياء
السابقين وعن رسول الله وعن ما عاصره في زمنه وتكلم عن المستقبل أيضا ,فيما سمي بخطب الملاحم فقد تحدث عن الخوارج وأنهم في أصلاب الرجال وأرحام الناس ، وتحدث عن حكومة المروانيين وأن لمروان إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وبالفعل فقد حدث بعد ربع قرن من الزمان ما تكلم عنه عليه السلام .